قرار الرئيس الروسي ديمترى ميدفيدف بتأجيل إرسال سفير روسيا إلى أوكرانيا بعد أن تم اعتماده، والذي ترافق مع رسالة حادة وجهها إلى الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو، تضمنت اتهاما للقيادة الأوكرانية بتجاهل مبادئ معاهدة الصداقة والشراكة التي وقعت بين البلدين عام 1997، يمكن اعتباره خطوة في إطار الرد على زيارة ومحادثات جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي في كييف، وعلى قرار حكومة كييف بإبعاد دبلوماسيين روسيين وترحيلهما من أوكرانيا.

رسالة ميدفيدف تضمنت نقاطا محددة تعتبرها موسكو هي الأسباب الأساسية لتدهور العلاقات بين البلدين، أول هذه النقاط هي إن أوكرانيا كانت أحد مصادر تزويد جورجيا بالأسلحة، وإنها لا تنوي التوقف عن ذلك، أما البند الثاني فكان مساعي القيادة الأوكرانية لضم أوكرانيا لعضوية حلف الناتو خلافا لإرادة الشعب الأوكراني، كما اعتبر ميدفيدف أن القيادة الأوكرانية تعمل على تعقيد وإعاقة عمل أسطول البحر الأسود الروسي في ميناء سيفاستوبول الأوكراني.

وقال ميدفيديف ان كييف تسعى لقطع العلاقات الاقتصادية مع روسيا، وخاصة في مجال الطاقة مما يهدد استقرار استخدام شبكة أنابيب نقل الغاز المشتركة التي تضمن أمن الطاقة في روسيا وأوكرانيا والعديد من الدول الأوروبية.

وجاءت ردود فعل المعارضة الأوكرانية كما كان متوقعا، حيث أعلن زعيم حزب الأقاليم المعارض فيكتور يانوكوفيتش والذي سيخوض معركة انتخابات الرئاسة القادمة ضد الرئيس الحالي فيكتور يوشينكو، أن من المستحيل في ظل السلطات الحالية إقامة علاقات جيدة مع روسيا. ووعد بأن يعمل، في حال وصوله إلى سدة الرئاسة،على بناء علاقات جدية ومثمرة مع روسيا التي يعتبرها شريكا إستراتيجيا لأوكرانيا.

فيما تميز موقف يوليا تيموشينكو رئيسة الحكومة والمرشح الثاني في انتخابات الرئاسة بالعمومية، والانتقاد الغير مباشر لرسالة ميدفيدف، حيث اعتبرت تيموشينكو أن أوكرانيا ستأخذ بعين الاعتبار آراء شركائها في الشرق والغرب على حد سواء غير أن أي تدخل في سياستها الخارجية أو الداخلية لن يكون مقبولا.

ولا شك أن موسكو لا تنوى قطع العلاقات مع كييف، وهو ما أكده مساعد الرئيس الروسي سيرجى بريخودكو، كما أنها لا تصب جام غضبها على القيادة الأوكرانية كلها، وإنما تصوب نيرانها على شخصية سياسية محددة وهي الرئيس الحالي فيكتور يوشينكو والذي أصبح يغرد خارج سرب الحركة السياسية الأوكرانية بكافة أطيافها، ويعتبر أن روسيا تهدد أمن أوكرانيا.

وتأتي هذه التطورات على أعتاب انتخابات الرئاسة الأوكرانية، ما يدفع للاعتقاد بأن موسكو تحاول التعبير عن موقفها من المرشحين، وهو ما نقرأه بين السطور في تصريح الرئيس الروسي ميدفيدف عقب لقائه مع المستشارة الألمانية ميركل في سوتشى، حيث أعلن أنه لا يرى آفاقا لبناء علاقات طبيعية (مع أوكرانيا) في ظل القيادة الأوكرانية الحالية. ولكنه لم يستثن حدوث «شيئا ما» قد يكون السبب في تغير الوضع في المستقبل القريب.

ويبدو واضحا أن الكرملين قرر الدخول في معركة انتخابات الرئاسة الأوكرانية بشكل واضح، إلا انه سيخوض هذه المعركة ضد خصمه فيكتور يوشينكو، ولاشك أن رسالة ميدفيدف تعتبر تعبيرا عن ذلك، وربما تجسد تدخل روسي صريح في الشؤون الأوكرانية،و لكن في إطار مصالح روسيا، ما يعني أن سياسات يوشينكو تهدد بالفعل الأمن القومي الروسي، ولا بديل عن إزاحته من الساحة السياسية.

ولكن السؤال الأكثر أهمية يتمثل في حقيقة نوايا المرشحين الآخرين وخاصة يوليا تيموشينكو وفيكتور يانكوفيتش تجاه الملفات الأربعة التي طرحها ميدفيدف؟ فباستثناء تزويد القوات الجورجية بالأسلحة والتي لن يقبلها بقية المرشحين، لا يمكن الجزم بوجود خلاف بين مواقف بقية المرشحين والرئيس يوشينكو. حيث يدعم أغلبية السياسيين الأوكرانيين انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، ويطالبون روسيا بالغاز الرخيص مقابل السماح بمرور الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية.

ولعل رسالة ميدفيدف تكشف عن إدراك الكرملين لذلك، ما دفعه للدخول في معارك انتخابات الرئاسة الأوكرانية كلاعب مستقل، يقدم مطالبه وبرنامجه الخاص، وبشكل ضمني يشير إلى أنه سيدعم من ينفذ هذا البرنامج، وتبقى الكلمة للناخب الأوكراني الذي تراهن عليه موسكو كثيرا.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru