رغم وضوح الموقف العربي في أنه لا يمكن اختزال القضية الفلسطينية في مسألة الاستيطان الصهيوني كمدخل للمفاوضات، ورغم أن المفاوضات ليست هدفاً في حد ذاته، خاصة إن تجربة السير فيها لم تمض إلى نهاية ولم تفض إلى نتيجة، لأن المطالبة العربية بوقف الاستيطان ليست بديلا عن المطالبة بإنهاء الاحتلال والانسحاب عن كامل الأرض العربية المحتلة عام 67، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وحل مشكلة اللاجئين بالعودة إلى وطنهم.

ورغم أن المطالبة العربية لأميركا بإقناع إسرائيل أو بالضغط عليها لوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتخذ مشروعيتها من قرارات مجلس الأمن الدولي التي لا تجيز الاحتلال وتعتبر الاستيطان عملا غير شرعي، وتنبع أهميتها من أن رؤية أوباما لحل الدولتين التي يوافق عليها العالم من المستحيل واقعيا تحقيقها مع استمرار الاستيطان في التهام المزيد من أراضي الدولة الفلسطينية المطلوب قيامها كحل نهائي.

لذا كانت مسألة وقف الاستيطان هي الخطوة العاجلة الأولي والمدخل الحقيقي لخطوة أخرى باستئناف المفاوضات وصولا لحل أو نتيجة، ذلك إذا أرادت أميركا نجاح مساعيها للتسوية وصولا إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وقيام الدولة الفلسطينية وفقا للرؤية الأميركية، وإذا أرادت إسرائيل السير والتجاوب مع استحقاقات السلام، لكن بشرط أن يكون للمفاوضات سقف زمني وهدف نهائي وإلا بقيت المستوطنات استعمارية تستوجب المقاومة، وتعتبر المفاوضات عملية عبثية تستدعي المقاطعة إذا استهدفت التغطية على التوسع الاستعماري الصهيوني.

وهكذا فإن عدة معادلات مختلة تحاول القوى المحتلة تمريرها للضحك على الذقون في نوع من الاستخفاف للعرب تستوجب الرفض أو جس النبض للفلسطينيين تستدعي الرد، في محاولة للقفز على كل استحقاقات المعادلات الشرعية الصحيحة أو المتوازنة المعقولة أو الممكنة المقبولة لإيجاد تسوية سلمية للقضية الفلسطينية التي هي جوهر الصراع العربي الصهيوني والمفتاح لحل كل قضايا الشرق العربي والإسلامي.

ولهذا يأتي الرد الفلسطيني ببرنامج مؤتمر فتح إيجابيا بتثبيت حق المقاومة كوسيلة مشروعة لتحقيق الهدف النهائي، كما تأتي لاءات عباس الثلاث لسقف المفاوضات برفض للدولة المؤقتة وللتوطين وللوطن البديل إيجابيا، كما يأتي تأكيده أن أية مفاوضات يجب أن تستند إلى احترام كل الأطراف لالتزامات خارطة الطريق، وفي مقدمتها الالتزام التام بوقف الاستيطان، وبكافة قضايا الوضع النهائي، ودونها لا يمكن أن نتوصل إلى سلام حقيقي ليصب في الاتجاه الصحيح.

غير أن تشديده على أن «فتح» تعتبر قضية حرية الأسرى في مقدمة القضايا التي ينبغي حلها، وأن إغلاق السجون هو الاختبار لجدية أية عملية سلام ليطرح سؤالا عن منطقية ذلك المطلب الفلسطيني من الإسرائيليين، بينما السجون الفلسطينية التي تضم المعتقلين والأسري الفلسطينيين لم تغلق بعد، بما يصبح معه الكلام عن حماية الديمقراطية والتعددية وحرية الرأي وقبول الآخر باعثا على الاستغراب !.

ومن هنا كانت المسألة الصغرى بوقف الاستيطان هي الاختبار الحقيقي لإدارة الرئيس الأميركي أوباما في قدرتها على حل القضية الكبرى بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، مع إدراك العرب أن نهج أوباما يواجه تحديات من داخل الكونجرس وتباينات داخل إدارته، بما يسمح لإسرائيل برفض مطالبه بوقف هذا الاستيطان ومحاولة فرض مطالبه بالتطبيع مع العرب، وإذا سمح العرب بإفشال القوي الأميركية المناهضة للعرب والمؤيدة لإسرائيل لمطالب أوباما لوقف الاستيطان، فكيف يمكن له النجاح في القضية الكبرى بإنهاء الاحتلال وإحلال السلام؟!.

mamdoh77t@hotmail.com