أصبحت عملية تطبيع العلاقات مع الدول العربية تشكل أولوية قصوى للكيان الإسرائيلي، أكثر من أي وقت مضى، ويبدو أن المسؤولين الإسرائيليين يرون في هذه الخطوة أو بالأحرى القفزة على استحقاقات السلام أنها تتساوق مع المطلب الذي يضغطون على الفلسطينيين والعرب جميعًا، عبر حلفاء الكيان الإسرائيلي والفاعلين الدوليين، ونعني به مشروع إكساء إسرائيل الطابع العنصري الصريح تحت مسمى (الدولة اليهودية) للاعتراف والقبول به من قبل العرب والفلسطينيين.
لأن مجرد الاعتراف بما يسمى "يهودية إسرائيل"، ستترتب عليه آثار وخيمة وستكرس حالة الظلم التي يدفع فاتورتها الشعب الفلسطيني حاليًّا، بحيث سيكون (الاعتراف) بمثابة ضوء أخضر لمضي الاحتلال الإسرائيلي في سياسته الحالية الرامية إلى تهويد كل ما يحمل الهوية العربية والإسلامية واقتلاع فلسطينيي 48 والفلسطينيين المقدسيين من مدينة القدس المحتلة، وتوطينهم في المستوطنات العشوائية التي يتحدث القادة الإسرائيليون عن استعدادهم لإزالتها، أو فيما تبقى من فتات الضفة الغربية.
وفي إطار سياسة تنويع الضغط والتهيئة لمثل هذه الخطوة أي خطوة التطبيع، ينبري الإعلام الإسرائيلي بكل قوة في هذا الشأن، حيث يشيع بين الحين والآخر مزاعم مغلوطة عن تحركات عربية تحمل معنى التقارب مع الكيان الإسرائيلي، ويروج لها في مختلف وسائله المقروءة والمسموعة والمرئية، تارة عن زيارات لوفود عربية إلى تل أبيب والتقائهم بمسؤولين إسرائيليين، وتارة استعداد عواصم عربية لإقامة علاقات مع كيانهم المحتل.
وآخر صرعات الإعلام الإسرائيلي والتي تدخل في نطاق التوطئة والتهيئة بإشاعة أخبار لا يستطيع العقل والمنطق أن يتقبلاها من الناحية النظرية أو العملية، ما زعمته الإذاعة الإسرائيلية أن رعايا دول عربية قاموا بشراء عشرات الهكتارات من أراضي الجليل وصحراء النقب واستصلاحها للزراعة، لكونها قليلة السكان، قام بتمويلها "أثرياء من دول الخليج"، بحجة الضائقة المالية التي يعانيها المزارعون الإسرائيليون، وما يزيد هذه المزاعم تعرية تخصيص أثرياء خليجيين بالذكر، وذلك يرجع إلى اعتبارات من بينها أولاً:
أن الخليج يصنف بأنه منطقة غنية بسبب ثروة النفط، وأنه ذو أعلى مستوى دخل في الوطن العربي، وبالتالي تخصيصه بالذكر يمكن أن ينطلي الأمر على المواطن العربي متلقي المزاعم ويقرأه أو يسمعه على أنه حقيقة، وثانيًا: يرى الكيان الإسرائيلي أن التطبيع مع دول الخليج سيقود الوطن العربي إلى تطبيع كامل للعلاقات، نظرًا لما يمثله من ثقل مالي وديني. ولذلك فإن مثل هذه المزاعم لن تمر ولن تنطلي بسهولة.
وهناك أدلة تؤكد كذب هذه المزاعم والدعايات، ولعل من بينها أولاً: أن الإسرائيليين من أقصى يمينهم إلى أقصى يسارهم يؤكدون أن إسرائيل دولة يهودية وأنها لليهود فقط، ولا مكان لمن يحمل هوية غيرها. وثانيًا:
ما يجري في القدس المحتلة وما يعرف داخل الخط الأخضر من تهويد وتهجير للفلسطينيين منهما، واستصدار مشاريع قوانين تجبر عرب 48 على الاعتراف بيهودية إسرائيل وتبنِّي أعرافها وتقاليدها ومبادئها، وكذلك ما يجري من تغيير للمعالم العربية والإسلامية وتشويه الحقائق القائمة عليها، يدحض مثل هذه الافتراءات، وبالتالي وفي ضوء ذلك، هل يعقل أن يتم بيع أراضي (إسرائيل اليهودية) أو ما يسمى (الأرض الموعودة) لغير يهودي؟
وهل يعقل أن يقبل العرب التضحية بأموالهم في استصلاح أراضٍ بور، ويعلمون تمامًا أنها بمجرد أن تعمر ستنتزع منهم؟
هذا اذا افترضنا أن هؤلاء المستثمرين المزعومين قد تجردوا من مشاعر الانتماء لأمتهم والوفاء لقضاياها المصيرية، وإذا كان لدى الإسرائيليين هذا الاستعداد، فلماذا يرفضون مد اليد إلى السلام الممدودة لهم من العرب وحتى مجرد تجميد الاستيطان وليس وقفه، في الأراضي الفلسطينية التي يحتلونها؟
إن المسؤولين الإسرائيليين يعون أن أبواب تطبيع العلاقات مع كيانهم المحتل والسلام مفتوحة ومتاحة أمامهم، ولا ينقصها سوى قبولهم استحقاقات ذلك وإنهاء الاحتلال من الأراضي الفلسطينية والعربية وفق القرارات الدولية الصادرة في هذا الشأن، وإلا فإن الحركات المكشوفة والدعايات الكاذبة لن تجلب ما يتمنونه.
