يعرف أركان الحكومة الإسرائيلية جيداً أن لا شئ تغير في البرنامج السياسي الذي تبنته حركة «فتح» في مؤتمرها السادس بما يستدعي الهجوم عليه. ويعرف نتانياهو وأركان حكومته أن خطاب أبو مازن في المؤتمر كان لابد أن يراعي التباينات في المواقف داخل الحركة ولكنه لا يعني أن أبو مازن تخلي عن نهجه الذي يتمسك به من السعي للتسوية عن طريق التفاوض وبعيداً عن السلاح.
ومن ذلك انتهز نتانياهو وأركان حكومته من باراك إلى أقصي اليمين المتشدد الفرصة لتصعيد الهجوم وتأكيد المواقف الرافضة لوقف الاستيطان واشتراط الاعتراف العربي ب«يهودية الدولة الإسرائيلية» وتطبيع العلاقات معها مقابل مجرد بدء التفاوض علي «كيان» فلسطيني منزوع السلاح فاقد الصلاحيات مقطع الأوصال بعد التأكيد على أن «خطأ» رحيل المستوطنين عن غزة لن يتكرر في الضفة، وأن القدس خارج التفاوض، والتنازل عن حق العودة شرط لنيل شرف (!!) الجلوس على مائدة التفاوض مع نتانياهو وأعضاء عصابته النازية!!
الرسالة الإسرائيلية التي تعمدت حكومة نتانياهو أن يتم ترديدها من كل التيارات التي يضمها التحالف الحاكم لم يكن عنوانها «بيت لحم» حيث مؤتمر فتح، بل كان العنوان هو واشنطن حيث يستعد الرئيس الأميركي لإعلان مبادرته حول التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي بعد أسابيع، وحيث تدور معركة لم تبلغ ذروتها بعد، ولكنها معركة حاسمة في كواليس صنع القرار الأميركي، وحيث يتحرك اللوبي اليهودي بنفوذه الواسع لمحاصرة أوباما ثم لمواجهته إذا أصر علي موقفه الذي لا يقف، ولا يمكن أن يقف ضد إسرائيل، ولكنه فقط يحاول تخفيف الانحياز الكامل الشامل التي وضعت القرار الأميركي في كل شؤون المنطقة في جيب الكيان الصهيوني حتى لو أضر ذلك بمصالح الولايات المتحدة نفسها!!.
الرسالة التي حملتها موجة التصريحات الإسرائيلية الأسبوع الماضي، وما رافقها من تصرفات استفزازية خاصة في القدس حيث تم طرد الفلسطينيين من منازلهم ليحتلها الصهاينة، وحيث يتم التوسع في الاستيطان في كل بقعة من المدينة المقدسة، تقول بالفم المليان إن الاستيطان لن يتوقف حتى ولو كان بصورة رمزية تسمح في الحقيقة باستمرار البناء في آلاف المساكن الجديدة بدعوى أن العمل قد بدأ فيها.
وما تخشاه حكومة إسرائيل ليس هو الوقف المؤقت وغير الحقيقي للاستيطان لفترة قصيرة، ولكن ما تخشاه هو فتح الباب لمبادرة أميركية حقيقية تضع الخطوط العريضة للتسوية المقترحة وتحدد مهلة التفاوض عليها وقد يتم فرضها في النهاية.
وما يستلفت النظر الآن هو التغيير الذي تجسده تحركات إسرائيل لمواجهة الموقف في الأيام الأخيرة. فبعد شهور من التهدئة ومحاولات تطويق الموقف الأميركي تتغير اللهجة إلى «أننا لا نتلقى الأوامر من أحد»!! وبعد فترة من مطالبة أميركا بالتركيز علي إيران ها هي التهديدات الإسرائيلية تتوالي علي لبنان لتذكر البيت الأبيض بأنها قادرة على «لخبطة» كل الأوراق !! وبعد شهور من الابتعاد عن المواجهة المباشرة لأوباما بشعبيته الجارفة ها هي بوادر المواجهة تبدأ مبكراً عن موعدها مع استطلاعات الرأي التي تظهر تراجعاً في شعبية الرئيس الأميركي !! وبعد شهور من إعادة ترتيب اللوبي اليهودي لأوراقه ها هو الكونجرس يتحرك.
تبدأ وفود الأعضاء الجدد في التوافد علي إسرائيل علي نفقة المنظمة الصهيونية «ايباك» لأخذ الدروس الأولي في الولاء لإسرائيل، بينما الكبار يبدأون في التصعيد من خلال مذكرة 71عضوا في مجلس الشيوخ يطالبون فيها أوباما بممارسة الضغوط علي الدول العربية للبدء في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.. رداً على ما تفضل به نتانياهو من تحسين أحوال الفلسطينيين الاقتصادية من خلال رفع بعض الحواجز من بعض طرق الضفة !!.
كنا نتحدث(وفقاً للمبادرة العربية) عن تطبيع يأتي بعد إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية، وجاءت الإدارة الأميركية لتطلب بعض خطوات التطبيع إذا توقف الاستيطان، والآن أصبح التطبيع هو المكافأة المطلوبة لرفع بعض الحواجز أو السماح بدخول بعض الحليب والطحين لأطفال غزة و قد يكون ذلك هو رد الفعل على خيبة الأمل بعد رفض العديد من الدول العربية لأي خطوات تطبيعية إلا بعد الحل الشامل وكان أبرز هذه المواقف ما أعلنه وزير الخارجية السعودي أمام وزيرة الخارجية الأميركية في واشنطن.
وقد يكون استباقاً لزيارة الرئيس المصري لأميركا بعد أيام التي يبدو انه سيتعرض فيها لمختلف الضغوط لكي يوافق علي الطرح الأميركي الأخير بترك القرار في هذا الشأن لكل دولة عربية وحدها.
وهو ما ينبغي رفضه والتمسك بالمبادرة العربية في هذا الشأن.. وليتذكر الجميع كيف تم بيع الوهم للفلسطينيين بعد أوسلو، وكيف كانت القيادة الفلسطينية المتفائلة يومها هي التي تدعو للتطبيع بنفس الحجة التي تقال اليوم وهي تشجيع إسرائيل علي المضي في طريق السلام.
وكيف كان هذا الموقف هو الجسر الذي قاد إسرائيل لإنهاء مقاطعة نصف دول العالم لها، ولإسقاط قرار الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية دعوة عنصرية، ولضرب الإجماع العربي في مواجهتها..و ها نحن بعد 15 سنة من التنازلات المجانية المتواصلة وليس علينا إلا أن نستوعب الدرس ونفهم جيداً أن الحل الشامل وحده هو الذي يصنع السلام، وأنه بدون اتفاق واضح علي إنهاء الاحتلال فلا ينبغي أن يكون لكلمة «التطبيع» مكان على الإطلاق عند الحكومات العربية، ومهما كانت الحجج والمبررات !.
كاتب صحافي مصري
