الكثير تكلم والكثير كتب حول الصين ومكانتها في العالم ومستقبلها في النظام الدولي، ونحن هنا لسنا في صدد ترديد ذات الكلام إلا أننا نعتقد أنه من الضروري تحديد أهمية الصين بالنسبة لنا نحن في دولة الإمارات بشكل خاص، وحق لنا أن نتساءل عن أهمية الصين بالنسبة لنا وعن الكيفية التي يجب أن نتعامل بها مع الصين ذلك العملاق الجديد.

بداية دعوني أوضح نقطة مهمة حول طبيعة العلاقة القائمة بين الإمارات والصين وهي أن هذه العلاقة لم تتسم بعد بدرجة من التوازن المطلوب أي أن الصين مازالت هي الطرف الأكثر استفادة من هذه العلاقة عن الطرف الإماراتي وأن درجة الاستفادة المشتركة لم تصل إلى درجة التساوي وإن كانت عملية قياس درجة الاستفادة ليست بالعملية السهلة. لقد استطاعت الصين أن تفرض نفسها كطرف هام في معادلة العلاقة بين البلدين فيما لم تتمكن الإمارات من فرض نفسها بذات الطريقة.

فالصين اليوم هي شريك تجاري هام لدولة الإمارات حيث أنها تتبوأ المرتبة الثانية بعد اليابان كأكبر شريك تجاري لدولة الإمارات. واستطاعت الصين أن تخلق من دبي مركزاً تجارياً لإعادة تصدير منتجاتها للكثير من الدول في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

الأمر الذي ساعد في جعل دولة الإمارات الدولة العربية الوحيدة التي ضمتها قائمة الثلاثين أكبر دولة مستوردة للبضائع في العالم وفي المركز السابع والعشرين. كما أن الشركات الصينية استطاعت أن تدخل السوق الإماراتية وتستثمر في مجال المقاولات وتشييد البنية التحتية وحتى في قطاع تقنية المعلومات.

لكن هذا الحراك الصيني نحو استثمار العلاقة الصينية مع الإمارات لم يقابله حراك إماراتي لاستثمار العلاقة الإماراتية مع الصين. فلو نظرنا إلى أهم أكبر خمس دول تستورد البضائع الإماراتية لما وجدنا الصين من ضمنها ! الأمر الذي يؤكد عدم التوازن في العلاقة بين البلدين، ويدعو إلى إعادة تقييم هذا الوضع.

ولعل ما يثير الغرابة في هذه المعادلة هو أن لدى الإمارات أهم ما تحتاجه الصين من الخارج ألا وهو النفط إلا أننا ما زلنا لسنا مصدرين أساسيين للنفط إلى الصين كما هو حال دول مثل السعودية أو أنغولا أو السودان أو إيران أو عمان. الصين ليس أي بلد مستورد للطاقة بل هو ثاني أكبر بلد مستهلك للطاقة في العالم بعد الولايات المتحدة مما يجعله مستوردا هاما للنفط لأية دولة مصدرة للنفط. رغم هذا فإن صادراتنا من النفط للصين مازالت محدودة للغاية وأن الحجم الأكبر من نفطنا يذهب إلى دول محدودة ومعينة كاليابان.

المعروف أن تنوع مصادر الأسواق النفطية عامل هام من أجل تحقيق الأمن في حين أن الاعتماد على دول محدودة قد لا يكون أمراً مساعداً. اليابان شريك تجاري هام ولكن تنويع الشركاء أمر لا يقل أهمية أيضاً لاسيما إذا ما كان الشريك بحجم الصين الذي تعتبر نسبة استهلاكها للنفط في تزايد. اليابان ضرورية بأن تكون شريكنا التجاري الأساسي ولكن يجب أن لا يؤثر ذلك على تنمية بدائل مع دول أخرى يمكن الاعتماد عليها كالصين. فإذا كانت الصين تعرف كيف تستثمر في علاقتها معنا فعلينا أن نستثمر جيداً في علاقتنا مع الصين.

بالإضافة إلى ذلك فإن الصين يمكن أن تعتبر اليوم سوق هامة للاستثمارات الإماراتية لاسيما للصناديق السيادية التي تضررت من جراء الأزمة المالية العالمية الأخيرة. المعروف أن الصين كانت هي من أقل دول العالم تضرراً من تداعيات الأزمة الاقتصادية الأخيرة الأمر الذي يجعل السوق الصينية سوقاً مغريةً للاستثمار من قبل الصناديق السيادية كصندوق أبو ظبي أو دبي للاستثمار. وفي ذلك تنويع لمصادر الاستثمار بعيداً عن منطقة بحد ذاتها.

كما أن مجالات الاستثمار في قطاع الطاقة في الصين يعتبر من أكثر المجالات التي تشجع الصين الشركات الدولية الأجنبية على الاستثمار من خلاله لاسيما في تطوير مصافي تكرير النفط. كما أن استمرار الحاجة إلى تطوير العقارات في الصين وارتفاع أسعارها مقارنة بتراجع أسعارها في مناطق أخرى من العالم يفتح المجال أمام المطورين والشركات الإماراتية كي تستثمر في السوق العقارية الصينية.

ولعل الاستثمار في تقوية العلاقة مع الصين لا يمثل فقط بعداً اقتصادياً وإنما يعتبر أيضاً ذا بعد سياسي يتمثل في أن الصين بلد تحركه مصالحة في دعمه للمواقف السياسية للدول الأخرى، أي أن موقف الصين السياسي من أي قضية ما كانت يعتمد على درجة المصلحة الصينية القائمة مع الدول الأطراف في تلك القضايا.

فإذا كانت للصين مصالح قوية مع تلك الدولة تجد الصين تتشدد وتتخذ مواقف مساندة لتلك الدولة وإذا كانت تلك الدولة لا تتمتع بعلاقات قوية معها فإن موقف الصين يتراوح بين الاعتدال والليونة أو عدم الاكتراث. والإمارات في موقف يؤهلها لأن تكون علاقتها مع الصين علاقة إستراتيجية من خلال تطوير طبيعة العلاقة معها لتكون أقوى بكثير من ما هي عليه اليوم.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com