تواجه المسألة الفلسطينية منعطفاً من أخطر المنعطفات في تاريخها الطويل الذي يمتد إلى قرن من الزمان. أقول المسألة الفلسطينية ولا أقول القضية الفلسطينية لأن سلوك الفلسطينيين قد حولها إلى معضلة مستعصية الحل بسبب ارتباطها تاريخياً بالمسألة اليهودية التي تملك تاريخاً أطول منها كثيراً، فالفلسطينيون يتغافلون أو ربما يتعامون عن حقيقة ان القضية الفلسطينية كانت ومازالت أحد الأبعاد الأساسية للمواجهة التاريخية بين العرب والغرب.

فكيف نتوقع أن يأتي حل المسألة بتدخل الغرب، أو بتدخل إدارة الرئيس أوباما وليس له أجندة أو تصور للمسألة في أساسها. ويشكو الفلسطينيون من أن العرب ـ قادة العرب ـ أضاعوا فلسطين، فكيف نتصور أن المحور المصري ـ السعودي ـ الأردني «الحالي» يمكن أن يتبنى القضية الفلسطينية وكل ـ أقول كل ـ رصيده السياسي واستراتيجيته التفاوضية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالغرب (فيما يسمى بالمبادرة العربية ترون درجة التعقيد في «المسألة» الفلسطينية، وليست «القضية» باعتبارها مطلباً قومياً.

وقد أخرج الفلسطينيون قضيتهم من الكفاح العربي من أجل استعادة حقوقهم. والوجه الآخر لدرجة التعقيد في هذه المسألة أن الصراع الطبقي ـ العشائري بين فئات الشعب الفلسطيني قد تبلور في معسكرين رئيسين: معسكر المقاومة، ومعسكر المساومة. معسكر الذين يريدون ان يقاوموا بكل السبل بما في ذلك المقاومة المسلحة، ويرفضون رفضاً قاطعاً إسرائيل إلا بصفتها دولة احتلال، ومعسكر الذين يعترفون بإسرائيل دولة شرعية مستقلة، ويقبلون بدولة مستقلة مفترضة أخرى، دولة فتح والفصائل الملتفة حولها.

من الطبيعي إذن ان يزيد الانقسام الفلسطيني بين المعسكرين من درجة التعقيد في المسألة بالصعوبة المتمثلة «بتوحيد الصف الفلسطيني» في حكومة وحدة وطنية، فإذا كان مطلب صائب عريقات أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة، الاعتراف الدولي (أي الغربي) بها، فإن إسرائيل لن تقبل بحكومة فلسطينية يدخل في عضويتها معسكر المقاومة.

ان الاتهامات المتبادلة بين الطرفين تجعل من المستحيل تشكيل حكومة من هذا النوع، ثم من غير المنطقي أن يتخلى فريق المقاومة عن تشكيل حكومة أغلبية علماً بأنه قد فاز بأغلبية في المجلس التشريعي في انتخابات لم يعترض على شرعيتها أحد.

استراتيجية فتح والملتفين حولها ساذجة إلى أبعد الحدود، وربما مضحكة: نساوم (أي نتفاوض) ولكننا نبقي خيار المقاومة مفتوحاً. حتى أن هناك إلى جانب انتخابات اللجنة المركزية في مؤتمرهم الأخير انتخابات المجلس الثوري! من أين سيتأتى لفتح الحصول على اعتراف دولي بحقها في المقاومة؟ لا أحد يدري!.

ولكن يجب ألا نتسرع بالحكم على فتح. فقد نجحت إدارة أبومازن (الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني) في دمج فتح بالسلطة الفلسطينية، بحيث تحولت فتح إلى مصدر لكسب الرزق، وقناة لتوزيع المساعدات والرواتب على الشعب الفلسطيني. ثم ان هناك بعداً طبقياً ـ عشائرياً في الصراع الفلسطيني. تتمتع فتح بدعم من فئات الطبقة الوسطى الفلسطينية التي تعبت من الكفاح: إضراب استمر ثلاث سنوات، معاناة التهجير واللجوء إلى المنافي والشتات. هزائم متواصلة في الأردن ولبنان.

انتفاضتان دمويتان لم تثمرا غير اتفاقية أوسلو التي أنجبت السلطة الفلسطينية، والتي كانت ثمرة التضحية بمؤتمر مدريد، والتي سرعان ما فككتها إسرائيل ومزقتها. فالمقاومة لم تمنح الشعب الفلسطيني إلا المآسي والآلام. إذن ليس أمامه إلا المساومة التي تقود إلى العيش بسلام. هذا المنطق لخصه نبيل شعث في مقابلة تلفزيونية بالشكل التالي: «لقد قاومنا خمسين سنة، ولم نصل إلى نتيجة. وفاوضونا عشرين سنة»، وكأنه يريد أن يقول: أمامنا السنوات الطوال من المفاوضات العبثية.

عبثية بالنسبة لإسرائيل لكسب الوقت، وبالنسبة لإدارة أبومازن للبقاء في السلطة، والاستمرار على الوضع الذي فازت رموزه في انتخاب اللجنة المركزية البارحة. اعتقد من المفيد أن نذكر فلسطينيي فتح والمتحالفين معهم، بأن المسألة الفلسطينية هي مواجهة تاريخية بين العرب كلهم والغرب، شاؤوا أم رفضوا وأن الفلسطينيين في مواجهة يومية مع إسرائيل. ليس يجدي القول ان جميع الدول العربية فاسدة مالياً وسياسياً، فلماذا تلوموننا، ليس كل العرب في هذه المواجهة اليومية.

ومن يرد أن يواجه إسرائيل ويحقق مكاسب ملموسة لابد له ان يكون أكثر من ند لإسرائيل. وليس يكفي الاعتراف بأن فتح ارتكبت أخطاء. السؤال هو لماذا ارتكبت فتح هذه الأخطاء، وما هو السبيل لإصلاحها؟!، لقد استماتت فتح في الترويج لحل الدولتين، فهل ستكتشف فتح ان فكرة الدولة الواحدة التي تشمل الجميع، مع حفظ حق العودة للاجئين، والتي اقترحها أبوعمار في السابق هي أفضل الحلول؟ لن يمنح التاريخ الفلسطينيين فرصة أخرى، وقد تحول العالم نسبياً بسبب المقاومة في غزة لصالحهم، في النهاية، بالرغم من أنهم لم يمنحوا فرصاً حقيقية قبلها، هذا أمر منوط بهم، وليس بالمبادرة العربية.

كاتب كويتي

knaqeeb@hotmail.com