أين موقع الذكاء في وصفة السعادة؟ ماذا ستقولون عن رجل ذكي أو امرأة ذكية لكن لا يحسنان التصرف؟ أو ذكي لكنه متشائم وسوداوي؟ ذكي لكنه نرجسي ومغرور إلى ابعد حد؟ ذكي لكنه بلا مشاعر؟ أناني ومتعصب؟ ذكي لكنه يسخر ذكاؤه في استغلال الغير؟

تأملوا هذا: ماذا ستقولون إذا أقدم سائق سيارة سهوا (وليس قاصدا) على كسر إشارة مرور ونال عقوبة هي الإعدام وتجريم نياته لا في هذا الحادث بل نواياه وكامل قيمه في الحياة؟

ليس هذا ما يجري في حوادث المرور طبعا، لكن البحث المهلك عن سر هذه الوطأة الثقيلة للحياة اليومية لدينا أوصلني لهذا التشبيه بحذافيره.

ترجمة هذا الكلام: «ليس كل خطأ ينم عن قصد وتخطيط أو سوء نية. الناس قد تخطيء لأنها ببساطة قد لا تعرف، أو لأنهم اجتهدوا فكان اجتهادهم في غير محله أو غير مناسب أو ببساطة لأي سبب آخر لا يتعلق بالنيات».

ترجمة ثانية: لا يتعين أن يكون الغضب هو رد الفعل المباشر والوحيد على كل خطأ من الآخرين. بعض الناس يواجهون أخطاء صغيرة ناتجة عن السهو وغير مقصودة برد فعل مبالغ فيه أشبه بمن يتصدى لنملة بقصف مدفعي وغارات جوية.

فالمديرون أحيانا ينفجرون غضبا بشكل مبالغ فيه أمام خطأ غير مقصود من موظف أو اجتهاد قاصر منه. في هذه الحالة يتجاوز الغضب حدود الواقعة التي يمكن أن تعالج بأبسط ما يمكن، لتتحول إلى هجوم على شخص الموظف المخطئ، عبر الحط من قدراته أو ذكائه أو تسفيه نواياه والتقليل من شأنه، أي بعبارة أخرى إذلاله. هذا بالضبط قصف مدفعي على نملة.

ستجدون الأمر نفسه يتكرر في الحياة اليومية بين الأزواج والأصدقاء وداخل الأسرة أيضا. فمع كل هؤلاء، تذكروا كيف أن الجدال الشائع لدينا بين المختلفين أو المتشاجرين أيا كانوا ينحو دوما نحو «المعايرة» حول الأصل أو الغنى أو الفقر أو الوضاعة.

فنحن عندما نتشاجر نذكر بعضنا دوما بأننا أبناء عز وجاه ومحتد كريم ونصرخ بأننا لسنا في حاجة للآخر الذي نتشاجر معه، ونذكره أيضا بنوع أخلاقنا وقيمنا وكيف تربينا، كل هذا لتذكيره بأنه على النقيض منا (أي تحقيره) وفي النهاية لابد أن نرد نواقصه إلى أصله العرقي أو الطبقي أو طائفته. ما هذا؟

إذلال. بالنهاية لابد من منتصر ومهزوم، ذلك هو مفهومنا للجدال والخلاف. فنحن لا نختلف ولا نتبادل الجدل للوصول إلى مشترك بل لتحطيم الآخر أيا كان عبر إذلاله.

تابعوا ودققوا في السجالات السياسية، بل حتى الجدال بين المثقفين، فهي ستذكرنا دوما بذلك النمط الشائع من المشاجرات. فهي في النهاية ستذهب حتما للإذلال. الرد على الخصوم والمنتقدين لابد أن ينتهي برد فعل مبالغ فيه، الرد على تصريح أو رأي بإظهار نواقص صاحبه والحط من شأنه وليس مناقشة ما قاله، فالمناقشة غير واردة إلا في حدود التكذيب والإنكار الكامل فحسب.

فيما يتولى التسفيه والحط من الشأن باقي المهمة بدلا من الحجج والنقاش. مقياس النصر لدينا دوما كلامي ومرتبط باللسان وليس بالسلوك والتصرف لأن الأخير يحتاج تضحية صغيرة فيما ذواتنا متضخمة إلى ابعد الحدود. السبب: لسنا معتادين على محبة الآخرين أو النظر إليهم أنداداً متساوين.

ترجمة هذا الكلام: «الإذلال ليس تعبيرا عن قدرة بل أغبى وسيلة لصنع الأعداء وترسيخ العداوات وتجذيرها وزيادة عدد من يحلمون بالانتقام لكرامة جرحت يوما ما. يصح الأمر في الحياة اليومية مثلما يصح في السياسة».

هنا، سنتساءل عن موقع الذكاء في هذا كله. حسنا ماذا ستقولون عن إنسان ذكي يمارس الإذلال بتلك الطريقة الشائعة؟ النصيحة التي تتكرر على أسماعنا منذ طفولتنا هي أن نتحاشى الغضب لأنه رديف للسفاهة ونقيض الحكمة والعقل، لكن جميعنا مر في حياته قليلا أو كثيرا بمواقف وجد فيها نفسه غاضبا. والكثير يشعرون بالاستياء لغضبهم، فالغضب غير مبهج إلا لغير الأسوياء.

مررت بهذا شخصيا قبل سنوات طويلة عندما انفجرت غاضبا في مسئول للحسابات في إحدى الصحف التي عملت فيها. ففي شهري الأول في تلك الصحيفة، تأخر راتبي لثلاثة أسابيع. بادر الرجل من تلقاء نفسه لحل المشكلة وجائني بالأوراق النقدية في يده لكنني انفجرت فيه ورفضت استلام المبلغ من باب المكابرة طالبا منه تسليمي إياه عبر البنك. لم يكن ذلك جوابا مهذبا، بل كان ينطوي على رغبة في الإذلال.

في اليوم التالي، وجدت نفسي ذاهبا إلى مكتب هذا المسؤول معتذرا وأطلت في الاعتذار بل وأصبحت حريصا فيما بعد على الود معه. عندما أعدت التفكير في الأمر، وجدت إنني في أسابيع الانتظار كنت أسيرا لتصورات مسبقة عن الرجل أنتجها غضبي وتوتري وزاد من ذلك كلام زملائي من نفس طينة التصورات والأحكام المسبقة والاستخفاف مما اعتدنا على مواساة بعضنا به. فنحن عندما نريد أن نواسي بعضنا ونسايرهم في الغضب والانفعال ولا نقدم النصيحة.

ترجمة هذا الكلام: «التصورات والأفكار والأحكام المسبقة عدوة الذكاء وحسن التصرف. الأحكام المسبقة سجن للذكاء وحسن التصرف، وكلما ترسخت أصبح الشخص (حتى الأذكياء) أسرى هذه التصورات المسبقة فيصح ذكاؤهم محصورا ضمن هذا السجن».

بحثنا المضني عن السعادة ورغبتنا الأكيدة في التحرر من هذه الوطأة الثقيلة لحياتنا لن ينتهيا هنا. ولست هنا بصدد صياغة الوصفة الكاملة للسعادة، لكنني التمسها في نقاش مفتوح واستنتاجات صغيرة قد تصيب وقد تخطيء. لكن ما يزيد الوطأة على النفس حقا هو إن تشاهد ما عشته قبل سنوات يتكرر بحذافيره، لحظتها أدرك سر هذه الوطأة الثقيلة للحياة الوطأة التي تجعلنا نعاني أكثر مما يجب في حياة يومية وحياة عامة بكل ميادينها.

كاتب وصحافي بحريني

m.alobaidley@gmail.com