طبيعة الهدف تحدد طبيعة الوسيلة. وإذا كان الهدف هو تحرير أرض من احتلال أجنبي، فإن الوسيلة الوحيدة، أو قل الرئيسية أو المثلى، هي الكفاح المسلح. هذه هي القاعدة الثابتة في التاريخ الطويل لحركات التحرر الوطني.. خاصة إذا كان الاحتلال الأجنبي ذا طبيعة استيطانية.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بإلحاح هو: لماذا ترفض حركة فتح الفلسطينية هذه القاعدة البديهية؟ في سياق المداخلات خلال المؤتمر العام السادس للحركة، طالب بعض الأعضاء بضرورة التمسك بخيار النضال المسلح. وما إن صدرت عن مسؤولين إسرائيليين تصريحات غاضبة احتجاجية، حتى سارعت قيادات فتح العليا إلى إصدار «تصحيحات»، وكأنهم يتبرأون من جنوح رفاقهم «المتطرفين» ويعتذرون للسلطة الاحتلالية.

قال نبيل عمرو الناطق الرسمي باسم المؤتمر وأحد كبار الأقطاب المخضرمين في الحركة، إنه إذا صدرت تصريحات فلسطينية بشأن تحبيذ المقاومة المسلحة فإنه ينبغي «عدم تكبير شأنها ووضعها في سياقها الصحيح». أي سياق صحيح؟ وهل الحديث عن الكفاح المسلح كضرورة نضالية، خطأ أو إثم ينبغي الاعتذار عنه؟ ربما يقتضي الإنصاف أن نعطي «فائدة الشك» للناطق الرسمي باسم مؤتمر فتح، فنقول إن ما يقصده هو تفضيل نهج التفاوض السلمي مع العدو. ولكن حتى في هذه الحالة، فإن ما صدر عن نبيل عمرو في مؤتمر صحافي يتطلب وقفة تساؤل.

لقد كان من بين ما طالب به الأعضاء «المتطرفون»، تحديد سقف زمني للعملية التفاوضية مع الجانب الإسرائيلي.. حتى إذا ما بلغت سقفها الزمني دون أن تثمر تسوية عادلة، أصبح الفلسطينيون في حل للجوء إلى الخيار البديل.. وهو تدشين مقاومة مسلحة.

حتى هذا المطلب المنطقي المتواضع، لم يلق لدى قطب فتح سوى الرفض.. ومع «تبرير»! قال عمرو: إن من غير الممكن تحديد سقف زمني، نظراً لضعف السلطة وعدم امتلاكها مقومات القوة من طائرات ودبابات! بكلمات أخرى، فإنه في ما يبدو أن قيادة فتح، وبالتالي رئاسة السلطة الفلسطينية، قد باتت على قناعة بأنه في حال فشل العملية التفاوضية، فإن على الشعب الفلسطيني الامتثال والاستسلام للوضع الاحتلالي الراهن.. إلى الأبد.

كما يفيدنا تاريخ حركات التحرر الوطني وتجاربها، فإن نهج المقاومة المسلحة يتطلب أولا إرادة تصميم سياسية.. ومن ثم لن يكون الحصول على الأسلحة الخفيفة ـ وليس الطائرات والدبابات ـ من جهات داعمة مستحيلا.