ما أكثر الأزمات التي تعاني منها دولنا وشعوبنا مثل: أزمة التنمية، وأزمة الثقافة والمثقف، وأزمة السياسة، وأزمة الديمقراطية، وأزمة التعليم والخ... والسؤال لماذا هذه الأزمات ولدينا الإمكانيات لبناء نماذج تنموية وديمقراطية جيدة؟ هذا السؤال الذي يطرح ضرورة معرفة الأسباب لكل ذلك، لكن عنوان موضوعنا اليوم أزمة التعليم في دولنا، لذا سيكون تركيزنا عليه.

يتحدث المهتمون بهذا الموضوع عن أسباب عديدة أدت إلى تدهور التعليم لدينا، والبعض يتحدث عن المشكلة ونتائجها دون التركيز على الأسباب، الأمر المهم في هذه القضية أن التنمية والتطور والتقدم لا يتحقق إلا بالتعليم الجيد، وبما أن تعليمنا يشكو من مشكلات حقيقية وأزمة فمن البديهي ان تنتج عن ذلك أزمة في كل مجال وفي مقدمتها مسألة التنمية.

وقبل الدخول في طرح حقيقة الأزمة وأسبابها لابد من الإشارة إلى أهمية الموضوع وتوقيت طرحه في هذا الوقت. أن نوعية التعليم الذي يقدم اليوم لأجيالنا رديء، وان التقدم لا يتحقق إلا بالتعليم الجيد، وان التراكم الكمي للتعليم أوصلنا إلى الحالة المأزومة في التعليم وليس إلى عكس ذلك.

وان الانتظار وترك أمر معالجة هذه القضية ستؤدي إلى أن يكون المرض مزمنا عندها تصعب معالجته، والوقوف على أسباب أزمة التعليم في بلداننا يجعلنا نبدأ بغياب الرؤية التعليمية لدى دولنا وشعوبنا ومؤسساتنا. ولبلورة الرؤية في هذا المجال لابد من طرح بعض الأسئلة ثم الإجابة عليها بعلمية وموضوعية. لماذا التعليم المتطور جيد المخرجات؟ وما هو دوره في التنمية؟ وما هو التعليم المطلوب؟ هل نريد تعليما لتغطي مخرجاته حاجة السوق؟

أم نريد تعليما لعمل الشباب بمستوى معيشي جيد؟ أم نريد تعليما ديكورا مكملا لشكل وهيكل الدولة المعاصرة وليس العصرية؟ وهل رؤيتنا للتعليم جزءا من رؤيتنا للتنمية الشاملة؟ المشكلة تكمن بداية في أن الذين يعالجون أزمة التعليم والمطلوب منهم أن يبلوروا تلك الرؤية هم جزء من الأزمة نفسها!

وفاقد الشيء لا يعطيه. كيف تريد معالجة أزمة على أيدي من هم سببها؟! إذا المطلوب أولا أن تناقش القضية في مؤتمرات شعبية تشارك فيها شخصيات وقطاعات مختلفة من مجال التعليم وخارجه ومن مختصين وممثلين عن المجتمع المدني والمثقفين.

وممثلي القطاع العام والقطاع الخاص يتوازى مع ذلك معرفة تجارب الآخرين الناجحة في مجال التعليم دون استنساخ تلك التجارب بل الاستفادة منها وتكليف الجيد والناجح منها مع واقعنا. وبإلقاء نظرة فاحصة على واقع التعليم في دولنا لم نجد دافعية وجدية لدى دولنا في أن يتطور التعليم لدينا إلا في حدود ضيقة. كما لا نجد ذلك عند القائمين على التعليم ولا عند المتعلمين.

ويبدو أن الوضع الاجتماعي والسياسي في دولنا يلعب دورا في أزمة التعليم، وهذه المسألة تحتاج إلى بحث مستقل – يعزل البعض أن الأوضاع المادية وارتفاع مستوى المعيشة احد أسباب تروي التعليم في منطقة الخليج مثلا. لكن السؤال هو: لماذا هناك أزمة في التعليم في دول عربية أخرى لا تتوفر فيها هذه الوفرة المادية؟

يبدو أن الأزمة كبيرة، وقضية إصلاح التعليم جزء من الأزمة العامة ولكن لا يجب أن تترك الإشكالية وتؤجل أو ترحل بإيجاد المبررات، وانتظار حل المشكلات الأخرى والأساسية، لماذا؟

لأن إصلاح التعليم المدخل للإصلاحات الأخرى. لا أحد يختلف معنا على أن الواقع التعليمي يعيد إنتاج نفسه وهذا الواقع يعيش فسادا وتخلفا إداريا ومنهجيا وتربويا وقيميا ذلك لا يقضي أن هذا الواقع لا يحمل بعض الايجابيات ولكنها ضائعة في خضم الأزمة وتداعياتها.

إن الذين يرون ان أزمة التعليم تربوية قيمية لكنهم لم يبادروا إلى معالجة ذلك الجانب من الأزمة قد شخصوا ولم يعالجوا! والبعض يرى أن هناك قوى التخلف في المجتمع لا تريد إصلاحا للتعليم لأن ذلك سيطلق العنان للإبداع والعقلانية والتقدم وذلك يضر بأطروحاتها وتسييسها للتعليم، وآخرون يرون أن هناك انقطاعا عن التعليم العالي المتطور كما أن هناك تمييزا تجاه المرأة وغيرها بعبء التراث والتقاليد، لكن أيضا الشكوى لا تكفي.. هنا يكمن السؤال:

من المسؤول عن أزمة التعليم ومن المسؤول عن إصلاحه؟ لنلتفت حولنا ونلقي نظرة على واقع التعليم في بلادنا نرى أعدادا كبيرة من المدارس وملايين الطلبة، وميزانيات متضحة، وعدد كبير من الجامعات والمعاهد، لكن ما هي حقيقة مخرجات كل ذلك نوعيا وليس عدديا؟ المحصلة النهائية لم تحقق نهضة ولا تقدما!

إن المناهج الدراسية في تعليمنا العام والجامعي نمطية وضعها من هم نتائج أزمة التعليم! وان تأثرها بالعالم الخارجي والمتقدم محدودا، قلنا لابد أن يكون للواقع الذي نعيشه دور في بنائها لكن ذلك لا يعني أن تكون أسيرة هذا الواقع وموروثاته، كما لا يجب أن تستورد كقوالب جاهزة للتطبيق دون مراعاة الواقع وظروفه.

وقد فهم البعض خطأ مقولة ربط البحث العلمي والمناهج بالواقع، حيث كان الانعزال والانغلاق الذي يريده بعض أعداء التطور والتقدم الحقيقي للتعليم ومن ثم للمجتمع. وبلغ العبث والتسطيح حدا بأن التعليم ومخرجاته هما لتلبية احتياجات سوق العمل!، وان مجتمعاتنا تحتاج التخصصات العلمية ولا تحتاج التخصصات النظرية!.

إن النهضات وتقدم الشعوب يصنعها المفكرون والمبدعون في العلوم التطبيقية والبحتة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن يقول بغير ذلك جاهل حتى لو حمل أعلى شهادة. والمجتمعات الأوروبية المتقدمة تعمل على التوازن بين تلك المجالات في التعليم لأنها لا تفكر أحاديا ولأن لديها رؤية واضحة للتعليم وللتنمية في مجتمعاتنا.

لقد بدأ التعليم في عالمنا العربي وفي دول الخليج العربي خاصة نوعيا، ولكن مع زيادة عدد السكان وأدلجة وتسييس التعليم تحول إلى كمي، لذلك نحن أمام مخرجات هائلة عدديا بنوعية تعليمية ضعيفة والأزمة تفرز أزمات. فهناك اعداد كبيرة تخرجوا وهم ليسوا بالمستوى المطلوب.

وهناك أعداد قامت بشراء شهادات جامعية من جامعات وهمية، وحصل البعض على شهادات عليا ماجستير ودكتوراه من جامعات ضعيفة وبعضهم حصل عليها بشرائها أو بتقديم الهدايا لضعاف النفوس في تلك الجامعات، وقد نشرت الصحف المحلية نماذج منها وطرحتها كإشكالية خطيرة.

فعدد من أبنائنا يحملون الشهادات ولكنهم غير متعلمين تعليما حقيقيا فبدلا من أن تكون عائدات النفط نعمة يستفاد منها لبناء تعليمي جيد تستغل للتحايل والحصول على الشهادات الجامعية والعليا. إن السؤال يبقى قائما لماذا يذهب الطلبة إلى جامعات بعينها وفي دول بعينها ولم يذهبوا إلى جامعات ذات مستوى مرموق؟.

تبقى نقطة لابد من الإشارة إليها هي مسألة فصل الثقافة عن التعليم، الموضوع ليس اكتساب الطالب كما من المعلومات أو المعارف فحسب، بل كذلك أن يحصل على قدر من الثقافة كذلك، ولكن هذا لا يحدث في أيامنا هذه وبخاصة في التعليم العام فقد جرت عملية الفصل هذه وأصبحت الشهادة هدفا للحصول على عمل، وتم التركيز على ثقافة دينية مسيسة للتعليم في هذه المراحل، وحتى هذه ليست معمقة بقدر ما هي مسيسة ومؤدلجة.

وفي الختام ينتظر القارئ النتيجة والحل، ولا يكلف البعض أنفسهم التفكير بالأزمة المدمرة للتعليم وآثارها، واقتراح الحلول المناسبة لها. ويمكن الوصول إلى نتائج ومقترحات بهذا الشأن كما يلي:

أولا: غياب الرؤية الاستراتيجية للتعليم في دولنا، وان ما يجري هو مجرد جرعات مسكنة، وعلاجات لا تتناول جوهر القضية.

ثانيا: إن حالة التعليم في دولنا تدل على الانحدار والتدهور وان المسألة لدى القيادات التربوية والتعليمية هي بالتركيز على الجانب الكمي لا النوعي، كيف تستوعب مؤسساتنا هذه الاعداد المتزايدة من طالبي التعلم، وكيف يستطيعون توفير الوظائف لمخرجات التعليم!

ثالثا: إن ظاهرة شراء الشهادات والتحايل للحصول عليها من قبل بعض الأفراد في معظمها ظاهرة خليجية بسبب توفر الأموال، وقد زادت وانتشرت في أيامنا هذه.

رابعا: إن عددا قليلا من القائمين على التربية والتعليم يفكرون بالأزمة ويحاولون مواجهتها لكن الأغلبية بعيدون عنها ولا يحسون بآثارها وخطرها.

خامسا: هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في محتوى مناهجنا الدراسية فهي نمطية مكررة ومتخلفة عن التطور ولا تؤدي إلى التقدم.

سادسا: إن أزمة التعليم العالي تكمن في أزمة التعليم العام ومخرجاته.

سابعا: إن جزءا من أزمة التعليم يعود إلى تأثير الضغط الاجتماعي الذي نعيشه.

ثامنا: إن البعض يرى الحل في ادلجة وتسييس التعليم سياسيا أو دينيا، ولا يدرك بأن ذلك التفكير هو جوهر المشكلة وأساس الأزمة وليس حلاً لها.

تاسعا: إن أزمة التعليم جزء من أزمة عامة في مجتمعاتنا وفي النهاية نعتقد بأننا اتفقنا على أن تعليمنا يعيش في أزمة، ولا بد من حل لها، وليس أمامنا إلا ثورة بالتعليم القائم تتجه إلى التغيير الجذري في هذا المجال الحيوي إذا كنا نريد النهضة والتقدم.

tamimimalek@yahoo.com