تابعت الدولة العبرية الصهيونية وإطاراتها السياسية العليا وقياداتها الأمنية الحدث الإيراني باهتمام غير مسبوق وعلى الخط الساخن في محاولة استشراف إحالاتـه وتوقعاته ومآلاته المباشرة وغير المباشرة. فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو يضع الموضوع الإيراني في موقع متقدّم جدًا من سلم أولوياته، في الوقت الذي تبشر فيه المصادر المقربة منه بأن «إسرائيل تقترب من خوض حرب مع إيران».
وأن «شخصيات سياسية، كانت على اتصال مع نتانياهو، تقول إنه قرر تدمير المنشآت النووية الإيرانية» لكن المسألة تم تأجيلها في ظل الموقف الأميركي الرافض للعمل العسكري ضد إيران في الوقت الحالي، حيث لا تستطيع الدولة العبرية الصهيونية القيام بهكذا مغامرة وخيمة العواقب لوحدها دون إسناد لوجيستي وسياسي أميركي.
وقد تمحور جل الاهتمام الإسرائيلي بتلك الأحداث حول قراءة ما هو تأثيرها المتوقع في «الملف النووي» المتعلق بإيران من جهة، وفي سياستها الخارجية في الساحة الإقليمية من جهة ثانية، في ضوء احتمال انطلاق جولة من الحوار مع الإدارة الأميركية الجديدة.
كما ألمح الرئيس باراك اوباما أكثر من مرة، وفي ظل رفض الإدارة الأميركية ومعها العديد من دول أوربا الغربية لخيارات العمل العسكري المباشر ضد إيران كما تطالب الآن وبإلحاح حكومة اليمين الائتلافي الصهيوني بقيادة بنيامين نتانياهو.
بالرغم من تضارب التقويمات الجديدة لرئيس جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلية المعروف باسم «الموساد» الجنرال مئير داغان بشأن الجدول الزمني الخاص بامتلاك إيران المتوقع للأسلحة النووية، حيث حدده داغان نهاية العام 2014 كموعد لامتلاك إيران السلاح النووي، وهو هنا يناقض تقويمات سابقة كانت قد قدرتها الاستخبارية الإسرائيلية في هذا الشأن، والتي قالت بأن إيران اجتازت العتبة التكنولوجية لإنتاج أسلحة نووية.
وقدرت حتى ما قبل بضعة أسابيع بأن إيران ستملك القنبلة النووية الأولى «بعد بضعة أشهر». وتحديداً مع نهاية 2009 الحالي. كذلك فان تقويمات مئير داغان الأخيرة مطابقة للتقويمات الاستخبارية الأميركية بشأن «القدرة الإيرانية على إنتاج أسلحة نووية».
وبالإمكان القول إن هذه التقويمات لم تكن مقبولة في إسرائيل، قبل تصريحات الجنرال داغان، وقد أسفر ذلك عن اندلاع «توتر» بين الطرفين خلال المرحلة الأخيرة من ولاية الإدارة الأميركية السابقة برئاسة جورج بوش، وازدادت حدّته في مستهل ولاية الإدارة الأميركية الحالية برئاسة باراك أوباما، على خلفية وجود نيات لديها للانتقال إلى سياسة الحوار مع إيران.
وعلى كل حال، وفي مسار التقديرات والرؤى الإسرائيلية للحدث الإيراني، فقد انقسم صناع القرار في إسرائيل بين اتجاهين، الاتجاه الأول يرى دعاته بأن المرشح مير حسين موسوي وتيار الإصلاحيين يحملون برنامجاً لتوجهات إيرانية جديدة ونوعية على صعيد دور إيران الإقليمي وفي العالم، وعلى صعيد علاقاتها مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، ومع حزب الله في لبنان، مستندين في ذلك لمقولة راجت على ألسنة بعض الكتاب الغربيين، وفيها أن الشعب الإيراني أنهكته سياسات التطرف الخارجية لبلاده.
والتي انعكست على وضعه الداخلي بأزمات اقتصادية، وأن الأجيال الجديدة التي خرجت للشوارع باتت تريد رؤية الجديد والبحث عن مستقبل أخر. وهو ما أعتبره أصحاب الاتجاه الأول تطور هام قد يفتح الطريق لحل مشكلة الملف النووي الإيراني بطريقة ترضي إسرائيل والغرب عموماً.
بينما يرى دعاة وأصحاب الاتجاه الثاني بغالبيتهم التي تنتمي لدائرة التقييم الاستراتيجي، بأن لا تغييرات جوهرية في تركيبة النظام الإيراني أي كان في موقع القرار سواء من الإصلاحيين أو المحافظين، ويحذرون من مغبة الرهان على ما يجري في طهران.
فهم يقولون بأن المرشح مير حسين موسوي أول من أطلق المشروع الإيراني لتطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية، وهو من رعى وطور منظمة حزب الله وجعلها «رأس الحربة الإيرانية» في حربها ضد الشيطان الأصغر (إسرائيل) كما تقول المصادر الأمنية الإسرائيلية.
بل وتحدث عدد منهم من أن انتخاب مير حسين موسوي كرئيس لإيران كان سيساعد طهران أكثر فأكثر على مواصلة برنامجها النووي، لأن صعود موسوي سيؤدي إلى انهيار منظومة الضغوط الدولية التي تمارس على إيران حالياً من أجل وقف برنامجها النووي. وأنه سيكون من الصعب على إسرائيل في حينها تبرير مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية في حال كان موسوي قد فاز بالرئاسة في إيران.
وأكثر من ذلك فقد حدا بعض الكتاب الإسرائيليين للقول بأن ما حدث في إيران بعيد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية «ليس سوى مناورات إعلامية الكترونية للقرن الواحد والعشرين، ترافقت معها حملات تسويق حازمة للمجتمع الاستهلاكي الغربي».
وعليه فان غالبية العاملين في دوائر صنع القرار في إسرائيل يقولون بأن لا خلاف جوهري بين المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي والرئيس المنتخب محمود أحمدي نجاد من ناحية الموقف من إسرائيل، وفيما يتعلق بمواصلة الاهتمام بالمشروع النووي الإيراني.
لكن، ومن جانب اخر، فان كلاً من صناع القرار والنخب المثقفة في إسرائيل يرون أن التطورات في طهران تحمل في طياتها «انتاشات لبذور التغيير على المدى البعيد» وهو أمر سيؤثر بشكل واضح على استقرار إيران على مدايات غير مرئية.
حيث ويأمل حكام تل أبيب أن يشكل ما يحدث في إيران مقدمة لتغيير الطبقة السياسية الحاكمة في طهران وإعادة قولبة النظام السياسي، بحيث يؤدي ذلك إلى تغيير السياسات المعتمدة هناك حتى الآن، وتحديداً على صعيد علاقات إيران مع العالم وضمنه العالم العربي والقوى الفاعلة فيه، وكذلك الموقف من إسرائيل الذي تتبناه إيران منذ العام 1979.
وفي هذا المجال، ومع تقديرات البعض بأن خيارات واشنطن مازالت إلى الآن خيارات سياسية ودبلوماسية بالنسبة للملف النووي الإيراني لأكثر من سبب وجيه حيث لا تريد واشنطن الغوص مجدداً بمغامرة عسكرية لا تعرف عواقبها، هو أمر كرره الرئيس أوباما في تصريحاته الخيرة.
إلا أن ثمة رأي أخر ينطلق أصحابه من موقع التكهنات المبنية على مؤشرات معينة ومحددة، وهو رأي أشارت إليه بعض المصادر الغربية ويقول في فحواه بأن الضربة العسكرية الأميركية ضد إيران قادمة لا محالة.
وأن المسألة مسألة وقت، مشيرة إلى أن العملية العسكرية لن تكون حرباً تقليدية، بل ستكون عملية عسكرية جراحية سريعة، ومباغتة هدفها ضرب القوة الإيرانية في الصميم، وإصابتها بالشلل، وقلب النظام السياسي في طهران، وأن ذلك سيتطلب بالضرورة إتباع تكتيك مختلف، عن تكتيك إدارة الرئيس بوش. فالاستراتيجية الأميركية لم تتغير تجاه إيران حسب المصادر إياها، وما اختلف هو التكتيك.
