موضوع النووي الإسرائيلي أو امتلاك إسرائيل لقدرة تدمير نووية كبرى عاد ليحتل مكان الصدارة في الملفات السياسية والاستراتيجية الساخنة في المنطقة. وكان الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر قد صرح قبل عام تقريباً بأن إسرائيل تملك على الأقل 150 رأساً نووياً، مع التذكير أن هنالك شبه توافق بين مختلف المختصين في هذا الملف والمتابعين له بأن الترسانة النووية الإسرائيلية تحتوي على 200 رأس نووي على الأقل.

أسباب ثلاثة وراء عودة هذه المسألة بقوة على الأجندة الشرق أوسطية: أولاً، مسألة النووي الإيراني وما يمثله من موقع أساسي أن لم يكن الموقع الأساسي في خط التوتر الأميركي الإيراني بشكل خاص والغربي الإيراني بشكل عام والحديث والتحليلات العديدة الحاملة لسيناريوهات مختلفة والتي تشير إلى أن إيران قد تمتلك يوماً ما قدرة نووية عسكرية أيا كان الاختلاف حول موعد وصول إيران إلى امتلاك هذه القدرة أو حتى حول وجود قرار إيراني بالتحول إلى النووي العسكري.

هذا الأمر ألقى ضوءا كاشفا مجددا على العنصر النووي في الشرق الأوسط وعلى حقيقة أن إسرائيل هي التي كانت بادئة على إدخال هذا العنصر إلى المنطقة والذي صار في الخطاب الغربي والإسرائيلي نوعا من المسكوت عنه.

لكن الحديث عن سيناريو إيران نووية يثير بشكل خاص موضوع سياسة الكيل بمكيالين باعتبار أن هنالك قوة نووية منذ الخمسينات في المنطقة يجري السكوت عنها، وهنا المفارقة غير منضمة أساسا إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كما هي حال أيضاً كل من الهند وباكستان رغم أن الأخيرتين تتبعان استراتيجية نووية واضحة وعلنية.

ذلك كله أثار ويثير بقوة سياسة الكيل بمكيالين ويضعف بقوة منطق من يحذر في الغرب من خطورة النووي العسكري الإيراني ويربك أيضاً من يتخوف في المنطقة من حصول إيران على قدرة نووية عسكرية ومخاوفه بالطبع مشروعة لاعتبارات عديدة منها ما يتعلق بالخطر المباشر ومنها ما يتعلق بإعادة ترتيب عناصر القوة بشكل كبير في المنطقة.

ولكن يبقى من الصعب إن لم يكن من المستحيل مبدئيا وأخلاقيا وسياسيا الحديث عن مخاطر محتملة يجب توجيه الأنظار إليها واستباق حصولها وتجاهل على الصعيد الفعلي وجود خطر قائم يتمثل في النووي الإسرائيلي مع ما يعكسه ذلك من تداعيات على موازين القوى في المنطقة ومسار الصراع العربي الإسرائيلي.

ثانيا، ينسحب من ذلك عودة التأكيد العربي على مستوى الدبلوماسية العربية المشتركة وعلى المستوى الوطني في العالم العربي على ضرورة الدفع لإنشاء شرق أوسط خال من كافة أسلحة الدمار الشامل وهو موضوع كانت مصر سباقة في طرحه منذ مطلع السبعينات وصار جزءاً من الخطاب الرسمي العربي، خاصة ان الدول العربية أعضاء في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وان مخاوفها محقة من حصول سباق تسلح نووي في المنطقة مع ما يحمله ذلك من مخاطر مباشرة ومحتملة.

ثالثا، حصول مفاجأة أميركية قوامها أن واشنطن أعلنت وللمرة الأولى على لسان مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية في شهر مايو الماضي أن إسرائيل هي من الدول النووية عندما صرحت المسؤولة الأميركية على ضرورة انضمام كافة الدول ومنها الهند وإسرائيل وباكستان وكوريا الشمالية إلى المعاهدة المشار إليها واعتبار ذلك بمثابة هدف أساسي للولايات المتحدة وللتذكير فقد جرت محاولة خجولة منذ عقود أربعة في ظل إدارة نيكسون لدفع إسرائيل للانضمام إلى المعاهدة المشار إليها.

والجدير بالذكر ان الإشارة إلى إسرائيل قوة نووية قد ورد في وثيقة صادرة عن القيادة الأميركية المشتركة منذ عام ونيف تقريبا وجرى «تسريبها» في شهر مارس الماضي. وقد أشارت الوثيقة إلى وجود «قوس من القوى النووية» ينطلق من إسرائيل في الغرب ويمر عبر إيران إلى باكستان والهند وصولا إلى الصين وكوريا الشمالية وروسيا في الشرق.

هذه التسريبات الأميركية تحمل مؤشرا على وجود بداية تغيير أو بداية انقلاب أميركي على التفاهم الأميركي الإسرائيلي الذي حصل بين الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون ورئيسة وزراء إسرائيل حينذاك غولدا مائير. تفاهم حصل بعد أن اكتشف الأميركيون وجود محطة نووية إسرائيلية في ديمونا أدت حينذاك إلى أزمة صامتة بين الرئيس كينيدي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بن غوريون.

التفاهم الذي استقر وتكرس حول هذه المسألة قوامه أن واشنطن لن تعارض وجود برنامج نووي عسكري إسرائيلي في حين أن إسرائيل ستحرص كل الحرص على أن يبقى هذا البرنامج سريا. وكان ذلك بالطبع يندرج في الاستراتيجية الإسرائيلية المعروفة بالردع بواسطة الغموض أو التي تعرف باستراتيجية القنبلة في الملجأ. اعتبرت إسرائيل أن تلك الاستراتيجية ناجحة وآمنة وغير مثيرة للمشاكل مع الأصدقاء والحلفاء وتوفر الأمن بالمطلق لإسرائيل.

وقد تعززت تلك الاستراتيجية بما عرف «بعقيدة بيغن» نسبة إلى رئيس وزراء إسرائيل الأسبق مناحيم بيغن والتي قوامها أن استراتيجية الردع النووي الإسرائيلي تتعزز فعاليتها طالما احتكرت إسرائيل القدرة العسكرية النووية العسكرية وحدها في المنطقة ولم تدخل في سباق نووي مع أي دولة أو مجموعة أخرى من الدول الشرق أوسطية. عقيدة بيغن كانت التبرير الإسرائيلي لقصف مفاعل اوزيراك العراقي عام 1981.

هذه الأسباب الثلاثة وما أوجدته من تفاعلات دبلوماسية واستراتيجية طرحت في إسرائيل من جديد بقوة تخلي هذه الأخيرة عن استراتيجية الغموض النووي واللجوء إلى استراتيجية كلاسيكية تقوم على إعلان النوايا والقدرات وتحديد الموقف النووي باعتبار أن هذه العناصر الثلاثة في الاستراتيجيات العلنية قد تكون أكثر فعالية في تشكيل ردع استباقي ضد إيران وضد قوى أخرى في المنطقة لعدم اللجوء إلى بناء قدرة نووية عسكرية.

ويجري حوار استراتيجي عسكري في إسرائيل حول هذا الأمر بعد أن اعترف علنا بأن المسكوت عنه صار معروفا وجزءا من الحوار الاستراتيجي في المنطقة وحول المنطقة. وصار الحوار في إسرائيل اليوم يتعلق بما يعرف بعقيدة تحديد الهدف.

فهل يوجه السلاح النووي ردعيا وفي حال فشل الردع عسكريا ضد أهداف عسكرية أو ما يعرف بالأهداف الصلبة أو يكون موجها ضد المدن أو ما يعرف بالأهداف المدنية أو اللينة الأمر الذي قد يزيد من القدرة الردعية عند صاحب هذه الاستراتيجية لكنه يزيد من المخاطر فيما لو فشل الردع.

والاستراتيجية الأخيرة أو الاستراتيجية الموجهة ضد المدن كأهداف عسكرية، تعرف في الأدبيات الردعية باستراتيجية الضعيف ضد القوى، أو ذلك الذي هو غير قادر أو راغب على الدخول في سباق نووي مع العدو أو الخصم مما يجعله يكتفي «بأخذ» بعض مدن العدو أو الخصم كرهينة تردع الخصم عن محاولة القيام بهجوم ضده ولو كان ميزان القوى لمصلحة ذلك الخصم طالما أن التكلفة غير محتملة.

والجدير بالذكر أن هذه الاستراتيجية هي التي تبنتها فرنسا ضد الاتحاد السوفييتي في منتصف الستينات بعد انسحابها من القيادة العسكرية المندمجة للحلف الأطلسي حينذاك.

خلاصة الأمر أن صراع الاستراتيجيات النووية والانطلاق رسميا وعلنية من أن إسرائيل هي القوة النووية الوحيدة في المنطقة وان ذلك سيشجع على الانتشار النووي صارت كلها جزءا من الحوار الاستراتيجي في الشرق الأوسط وحول الشرق الأوسط.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr