في الوقت الذي تتجه فيه الإرادة الدولية إلى أن تنفذ إسرائيل الاستحقاقات المترتبة عليها تجاه عملية السلام والرضوخ للمطالب الدولية بـ"تجميد" الاستيطان لا "وقفه"، وخاصة الجهود (المعلنة) التي تقودها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في هذا الاتجاه ، يخرج علينا أكثر من سبعين عضوًا من أصل مئة في مجلس الشيوخ الأميركي بخطوات معاكسة لهذه الإرادة .
وذلك بتبني مطالب منافية تمامًا للمنطق ، ومضادة للخطوات التي يجب على إسرائيل أن تنفذها تجاه استحقاقات السلام ، حيث طالبوا في رسالة وجهوها إلى الرئيس أوباما بحث القادة العرب على تقدم ما أسموه "مبادرات مذهلة" تجاه إسرائيل من أجل تقدم عملية السلام في الشرق الأوسط، مستفسرين من أوباما عن الأعمال التي طلبتها إدارته من الدول العربية، وعن ماذا ينتظرون من العرب خلال الأسابيع والأشهر القادمة.
تنم رسالة الـ71 شيخًا أميركيًّا عن النشاط المحموم وغير العادي الذي تبذله جماعات الضغط واللوبي الصهيوني للضغط على إدارة الرئيس باراك أوباما، لإنهاكه سياسيًّا ومعنويًّا حتى يرضخ للمطالب الإسرائيلية .
ويبتعد عن كل ما من شأنه أن يحرج الكيان الإسرائيلي ويعرقل عمليات الالتهام والبلع المتتابعة للأراضي الفلسطينية ، واقتلاع أصحاب الأرض الحقيقيين منها، وتغيير المعالم التاريخية والحضارية والهوية العربية والإسلامية فيها. والغريب في الأمر أنه بينما تعمل حكومات الدول والمسؤولون بها بالتعاون مع مختلف قطاعاتها العامة والخاصة وتحقيق التكامل مع مواطنيها لخدمة مصالحها وحمايتها، وتوفير الأجواء الإيجابية للحفاظ عليها وصيانتها من مخاطر التهديد، مع من ترتبط مصالحها معه وتوثيق عرى الصداقة وتعزيزها.
وإيجاد الوسائل الخادمة والمعززة للمصالح ، يتجه شيوخ الولايات المتحدة التي لها مصالح استراتيجية مع دول المنطقة والتي لها ارتباط تاريخي متجذر منذ عقود طويلة، إلى التضحية بها بناء على أوهام وخزعبلات وأكاذيب تتناسلها الرحم الإسرائيلية الخصبة، بعيدة عن الإمكان وغير متطابقة مع الواقع ، في حين أن الأولى بأعضاء الكونجرس الأميركي والذين من بين صلاحياتهم مساءلة الحكومة الأميركية عن سياستها الداخلية والخارجية، أن يربأوا بأنفسهم من أن يتحولوا إلى بغبغاوات تردد ما يمليه عليهم أعداء السلام والاستقرار والمصالح الأميركية في تل أبيب.
وأن يوقنوا أن مصالح بلادهم ـ ونعني هنا الولايات المتحدة وليس اسرائيل ـ في الماضي والحاضر وفي المستقبل ، تكمن في صداقتها مع البلدان العربية ، وليس الانحياز لإسرائيل ، وإحدى السبل للحفاظ عليها وصيانتها إرساء السلام العادل وفق قرارات الشرعية الدولية، وإجبار الكيان الإسرائيلي على القبول بها وتطبيقها.
إن العرب وحدهم الذين قدموا "مبادرات مذهلة" بالاعتراف بالكيان الإسرائيلي المحتل والغاصب لأراضيهم ، ولم يكتفوا بذلك ، بل استمروا في تقديم "المبادرات المذهلة" بتبني مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002م، وقدموها للكيان الإسرائيلي على طبق من ذهب تضمن الحق للجميع والتطبيع الكامل للكيان الإسرائيلي ، وبينما تترطب القادة العرب ألسنتهم بتلاوة تبنيها في قمتهم أقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون بدك المقاطعة الرئاسية الفلسطينية ومحاصرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
ولم يقف العرب عند هذا الحد ، بل أعلنوا استعدادهم لـ"مبادرات مذهلة" ألا وهي تطبيع العلاقات مع الكيان الإسرائيلي بشرط وقف الاستيطان وعودة الكيان الإسرائيلي إلى حدود ما قبل الانتفاضة الثانية والقبول بحل الدولتين. لكن ما "المبادرات المذهلة" التي قدمها الكيان الإسرائيلي للفلسطينيين والعرب؟ ألم يسأل هؤلاء الأعضاء الأميركيون أنفسهم هذا السؤال؟
على الأرض والواقع ، الكيان الإسرائيلي لم يقدم إلا كل ما يهدم أركان الاستقرار في المنطقة، بل لا يزال يلوح بمعاول هدم السلام (لا للقدس،لا لعودة اللاجئين، لا لوقف الاستيطان، لا لدولة فلسطينية مستقلة، نعم للاعتراف بيهودية إسرائيل).
إذا كان أعضاء الكونجرس الأميركي ينتظرون ردود القادة العرب على المطالب الأميركية ، فإن الشعوب العربية أيضًا تنتظر ماذا سيقول العرب ردًّا على هذا الاستفزاز والابتزاز؟ وكيف سيتعاملون معه؟
