عندما اعترفت بريطانيا بعجزها عن إدارة مستعمراتها بسبب أعبائها المادية، وضغوط الشعوب التي استعمرتها، دخلت في صفقة مع أمريكا بأن تكون البديل الاستراتيجي بالمنطقة العربية، حتى لا تذهب لقمة للغول السوفييتي، وقد استجابت أمريكا على حذر، لأن تجربتها السياسية ومعلوماتها الفقيرة عن المنطقة، وصورة الغرب السيئة، جعلتها تجرب دون الغوص في المشاكل الحساسة، لكنها فشلت في العديد من المواقف عندما اختارت الانقلابات العسكرية لخلق البديل عن الحكومات الفاسدة لترسم خطوط حكومات تدور في فلكها وتطبق نهجاً أقرب للمدرسة الغربية من الدكتاتورية السوفييتية..
خلال الخمسين عاماً الماضية دخلت أمريكا بعمق في المنطقة وكانت البديل السيئ لدول أوروبا الاستعمارية، وغاصت أكثر عندما انحسر الدور السوفييتي لتضع خطوطاً جديدة لسياسة القطب الواحد، فقد جعلت إسرائيل فوق الجميع وهي نقطة التحدي مع العرب، ثم جاء دخولها في لبنان في حروبه الأهلية، ثم طرد قوات صدام بعد غزوه الكويت وتوجتها باحتلال العراق والذي جاء على إثر التحديات التي برزت بين البلدين.
وختمتها أحداث ١١ سبتمبر التي جعلت المنطقة خندقاً عسكرياً، ومركزاً لسجناء الإرهاب والذين ظل الكثير منهم يؤخذون بالظن دون الدلائل الحقيقية، وقد كان هذا السلوك المخادع للشعب الأمريكي نقطة إطلاق يد الرئيس بوش الابن كي يتصرف بعقلية الحاكم الطاغية بالعالم الثالث، وقد كانت الإجراءات التي تتخذ باسم حماية الأمن القومي الأمريكي الذريعة التي انطلق منها غلاة المحافظين الجدد مما أوجد تياراً عالمياً ساخطاً على أمريكا حتى من أقرب حلفائها، وفسخ كل تعاطف معها بعد أحداث ١١ سبتمبر..
أوباما الذي ورث التركة الهائلة أراد أن يغير الأشكال والصور بعمل مباشر لأن التحديات لم تعد تأتي من شريحة إرهابية صغيرة، ليكون العالم الإسلامي برمته تاريخاً، وعقيدة وبشراً، على لائحة الاتهام إلا إذا برأته أمريكا، وهنا بدأت تظهر معالم صراع عقائدي أكثر خطورة على المصالح الأمريكية، وبداية كان أوباما في أوج الانتخابات يعلن عن مشروع المصالحات مع المسلمين والدول والشعوب الأخرى التي اختارها بوش أن تكون عدواً، أي التوجه لهذا العالم الكبير بخطاب لم يحدث مع الرؤساء السابقين، ثم الوعد بإنهاء السجون الطائرة، والمستقرة في العالم بما فيها (غوانتانامو) والتحرك في إيجاد أرضية للسلام العربي - الإسرائيلي.
في الأيام الماضية تم الإفراج عن الشيخ محمد المؤيد - يمني الجنسية والمواطنة - ورفيقه، وقيل إن صفقة تمت باعترافه في بعض التهم ليصل إلى بلده، ورمزية الحدث هنا كأنها تحاكم مرحلة بوش بدون تقديمه للقضاء، وإنما بمسح بعض أخطائه وهو اعتراف ضمني أن تلك المرحلة جنت على أمريكا أكثر مما أعادت صورتها الطبيعية.
ولعل مراجعة سياسة الدولة العظمى بأسلوب الدبلوماسية الواقعية والنظر للعالم كشريك، لا كخصم، ربما يفتح للرئيس أوباما الباب، خاصة في ظروف بدأت تغير مواقع القوى، وإخراج القطبية الواحدة من الساحة، وتركها لدور اللاعبين الجدد ممن لهم نفوذهم العالمي، وأدوارهم المحركة للخصومات والمصالحات.
