أعلنت وزارة شؤون المرأة والأسرة التونسية ارتفاع نسب الطلاق بدرجة كبيرة في تونس جعلتها الأولى عربيا والرابعة عالميا، وهو ما يتندر عليه التونسيون بمثلهم الشائع «الصيف في الصالة والشتاء في قصر العدالة» أو بلغة أخرى الزواج في الصيف والطلاق في الشتاء. وبعيدا عن مدى دقة بيانات الدراسة التي أجرتها الوزارة وحجم العينة ومدى تمثيلها فإننا أمام ظاهرة واسعة الانتشار ليس في المجتمع التونسي فقط لكن في كافة المجتمعات العربية الأخرى.

فالملاحظ أن الظاهرة في ارتفاع مستمر رغم الحديث المتواصل عنها، ورغم العديد من الدراسات التي أُجريت حولها، وهي مسألة تستدعي الوقوف على أسبابها ونتائجها، مع الوضع في الاعتبار تعقيدات الواقع الاجتماعي العربي الراهن داخليا وخارجيا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

اللافت للنظر أن حالات الطلاق لم تعد تقتصر على شريحة اجتماعية دون أخرى.

كما أن الرغبة في الطلاق لم تعد تقتصر على جنس دون آخر، فوفقا للدراسة التي أجرتها وزارة شؤون المرأة والأسرة التونسية بلغت نسبة النساء اللواتي طلبن الطلاق أكثر من 50 بالمئة من إجمالي قضايا الطلاق عام 2008 مقابل نحو 6 بالمئة عام 1960، وهو ما يعني أن طلب الطلاق أصبح لا يقتصر على الرجال فقط لكنه يشمل الجنسين في تطور جديد في عالمنا العربي.

كما كشفت الدراسة أن الطلاق لا يرتبط بفئة عمرية محددة، فنسبة 59 بالمئة من المطلقين والمطلقات في تونس تتراوح أعمارهم بين 36 و50 سنة فيما لم يتجاوز 27 بالمئة منهم 36 سنة، الأمر الذي يعني أن الطلاق لم يعد يقتصر على شريحة اجتماعية معينة أو فئة عمرية محددة كما لا يقتصر على جنس دون آخر.

وبجانب ذلك تتعدد أسباب الطلاق وفقا للدراسة والتي جاء على رأسها: ضعف الإمكانيات وعنف الزوج واختلاف المستوى الثقافي والاجتماعي بين الزوجين، إضافة إلى أسباب أخرى عديدة مثل عقم أحد الزوجين والخيانة من قبل الزوج أو الزوجة، وهي الأسباب نفسها المتعارف عليها من قبل الدراسات العديدة الخاصة بالطلاق في عالمنا العربي، ومعظم المجتمعات الإنسانية الأخرى. فما هي الأسباب الجديدة الوافدة على الواقع العربي والتي أدت لارتفاع نسب الطلاق في أغلب المجتمعات العربية؟

لا يمكن إنكار تأثيرات الواقع الاقتصادي على أوضاع الأسرة العربية التي أصبحت مرهقة بالعديد من المتطلبات المختلفة المعتاد منها أو الجديد، والتي تلقي بظلالها لا محالة على العلاقات بين الزوجين وتشعل حدة الاختلافات فيما بينهما. كما لا يمكن إنكار حجم المظالم التي تتعرض لها المرأة في عالمنا العربي، والتي تدفع ثمنها في الكثير من الأحيان.

ورغم ذلك فإن هذه الأسباب كانت ملازمة عبر عقود منصرمة عديدة للأسرة العربية وهو ما يعني وجود عناصر جديدة إما أنها زادت من نسب الطلاق في عالمنا العربي وإما أنها سرعت من حدة تأثير العوامل السابقة وإما أنها قامت بالدورين معا وهو الأقرب لطبيعة الأمور وتشابكاتها.

من أبرز التأثيرات الهائلة التي لحقت بالأسرة العربية وأثرت على طبيعة العلاقات بين الزوجين حجم الانفتاح الهائل الذي واجهه العالم العربي خلال العقدين الماضيين، وهو انفتاح ارتبط بكم هائل من الإعلام المتدفق على المواطن العربي.

وهو إعلام مضاد بدرجة أو بأخرى لطبيعة البنيات الاجتماعية العربية، فلقد تدفق الإعلام المنفتح والمرتبط ببنيات غربية بالأساس؛ بنيات أكثر انفتاحا في طبيعة العلاقات القائمة بين الرجل والمرأة سواء على مستوى الارتباط الأسري أو على مستوى العلاقات العابرة، وهو أمر لم يكن متسقا مع واقع البنى الاجتماعية العربية التي ليس لها من حديث ليلا نهارا إلا عن أهمية الحفاظ على العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية المتعارف عليها.

كما أن هذا النوع من الإعلام قد شطر المجتمع العربي لشطرين متضادين: شطر مثالي ليس له سوى الحديث عن الأفضل والأخلاقي والقيمي، وشطر آخر يتعلق بالممارسات الحياتية المتناقضة إلى حد بعيد مع الشطر المثالي.

لقد نقل الإعلام خطابا متحررا ليبراليا وفقا لأقصى مستويات الليبرالية والحقوق المرتبطة بها، واللافت للنظر هنا أن الدولة ذاتها في عالمنا العربي زايدت على هذا الخطاب واندفعت هي الأخرى سواء برغبتها أو تحت تأثير الضغوط التي مارستها القوى الغربية عليها من أجل الحديث عن حريات المرأة في بيئة ما زالت تنطوي على أطر بالغة المحافظة وربما الجمود.

لقد سرع الإعلام بكافة مستوياته وجوانبه المختلفة من تغيير أطر التفكير الخاصة بالمرأة سواء أكانت سلبية أو إيجابية، بينما ظلت بنيات الواقع عند مستوياتها المتكلسة الأمر الذي أدى بدرجة أو بأخرى إلى الصدام مع المقررات والمحددات الاجتماعية المختلفة والمقررة سلفا، وهو ما يفسر تلك المستويات غير المسبوقة من ارتفاع نسب الطلاق في المجتمعات العربية، كما يفسر العديد من الظواهر الأخرى الخطيرة مثل: ارتفاع معدلات الجريمة والفساد والانحلال الأخلاقي ناهيك عن الادعاءات الأخلاقية التي يفرضها البعض الآخر.

لقد خلق الإعلام بمعناه الواسع فضاء جديدا على المشاهد والمتابع العربي جعله منقسما بين الواقع المتخيل والواقع الفعلي، وهو أمر يبدأ بالأفراد لينتقل لا محالة للأسرة والعلاقات بين الزوجين. ويبقى السؤال الذي يحتاج لتناول آخر: كيف تسلل هذا التناقض بين المثالي والواقعي إلى الأسرة العربية؟ وكيف أدى إلى ارتفاع معدلات الطلاق في المجتمعات العربية؟

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com