في التقرير الجديد الذي تعوّدت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الـ «سي آي إيه» إصداره سنوياً منذ عدّة أعوام بصيغة كتاب حول رؤيتها لما ستكون عليه صورة العالم في السنوات القريبة القادمة أكّدت ما كانت قد قالته في التقرير السابق. ومفاده أن منطقة الشرق الأوسط ستكون مسرحاً لأكبر التوترات والانفجارات المحتملة في الأفق المنظور.
وإذا كانت القضية الفلسطينية تبقى ذات أهمية مركزية بالنسبة لأي استقرار حقيقي في المنطقة فإن الأنظار تتجه في الآونة الأخيرة نحو إيران، وليس من حيث ما تشهده من أحداث في الداخل منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة فحسب، ولكن أيضاً وخاصة فيما يتعلق بإمكانية قيام إسرائيل بتوجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية.
صحيفة «لوموند» الفرنسية نشرت في ملحقها الشهري المكرّس لـ «الملفات والوثائق»، عدد صيف «يوليو ـ أغسطس» 2009، نصّ التحليل الذي كانت قد قامت فيه صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية لتقرير أعدّه مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن حول «خيارات هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية».
مضمون التقرير بحدّ ذاته أضحى معروفاً وهو يصل إلى نتيجة مفادها أنه «من الممكن قيام هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية، لكنه قد يكون معقّداً جداً وفي غاية الخطورة ولا شيء يضمن أن تتكلل العملية إجمالاً بالنجاح».
ويحدد التقرير مصادر صعوبة كثيرة وكبيرة تواجه العملية ليس أقلّها التشكيك بمصداقية المعلومات التي توفرها أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والغربية عامة والتي لا تستطيع الإجابة بدقة على السؤال التالي: «هل تمتلك إيران منشآت سريّة لتخصيب اليورانيوم؟». إن وجود مثل هذه المنشآت ـ إذا كان واقعياً ـ يعني الفشل المريع لأي عمل عسكري إسرائيلي ولو نجح في تدمير جميع المنشآت «المعروفة».
ويستعرض التقرير الأميركي بالتفصيل نوعية «القنابل الذكيّة الأميركية الصنع» التي يمكن أن تستخدمها إسرائيل لاختراق التحصينات الإيرانية في عمليتها العسكرية.
الصحافة العالمية كانت قد أشارت إلى أن أميركا باعت 600 من هذه القنابل «الخارقة» التي تفوق قدرتها مرّات تلك التي كانت إسرائيل قد استخدمتها بجنوب لبنان.
ويحذّر التقرير الأميركي بقوّة من أخطار الضربة الإسرائيلية «الممكنة» على البيئة وقبلها على البشر. وهذه الأخطار لا تقتصر على إيران ولكن على المنطقة كلها.
الملفت للانتباه هو أن نشر صحيفة «هآرتس» لتقرير مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن تزامن مع تقرير آخر صدر في نفس الشهر عن الوكالة الدولية للطاقة الذريّة أكّد أن التقدّم الذي حققته إيران في برنامجها النووي «يفوق كل المخاوف».
ويتردد في هذا الإطار تأكيد العديد من المحللين الغربيين أنه لو لم تبدِ إدارة أوباما رفضها الكامل الرضوخ للطلبات الإسرائيلية الملحّة فإن إسرائيل كانت قد قامت منذ فترة بهجومها الجوي على أهداف في إيران.
بل وتسود في واشنطن توجّهات مفادها أن الإسرائيليين قد يكونون ليسوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم. ونشرت الصحافة معلومات تقول ان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش طلب بعد الحرب في جنوب لبنان صيف عام 2006 دراسة سريّة عن القدرات العسكرية الإسرائيلية وعن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لإسرائيل بالنسبة للسياسات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية.
وما يتردد أيضاً هو أن «القلق في أميركا يتعاظم حيال مصداقية إسرائيل كحليف أهل للثقة بسبب مجتمعها ونظامها السياسي وما عرفته في الفترة الأخيرة من فضائح هزّت أركان النظام».
في مثل هذا السياق يتساءل الأميركيون والغربيون عامة عن حقيقة وجود إمكانية عسكرية فعلية لدى إسرائيل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو على الأقل كبحه لسنوات طويلة قادمة أو أنها قد تسعى إلى «توريطهم» بحرب قد تهدد جديّاً طرق تزوّدهم بالبترول؟
وفي مثل هذا السياق تبحث إسرائيل عن استعادة الثقة «المفقودة» وأنها «تطبخ شيئاً ما»؛ ففي الوقت الذي تكمن فيه مصلحة الجميع بتهدئة التوتر يّبدي نتانياهو، سليل ثقافة الحرب التي شبّت عليها إسرائيل، تعنّتاً أكبر كما دلّ رفضه القاطع لوقف بناء المستوطنات وقد يلجأ إلى صبّ الزيت على النار وإشعال الحريق الكبير.
كاتب سوري ـ باريس
