قبل سنتين، وتحديداً بتاريخ (22-8-2007) نشرت هنا مقالاً بعنوان «من دبي إلى دبي». في ذلك المقال، تساءلت عن ندرة الأسماء الإماراتية، من دبي تحديداً، التي تتواصل مع وسائل الإعلام العالمية وتعبر عن وجهات نظر متنوعة (رسمية وأخرى مستقلة).

وكان مصدر التساؤل ـ وما زال ـ يعكس قناعتي، التي شكلتها خبرة أكاديمية وميدانية طويلة، بأن الإعلام اليوم لاعب رئيسي في أي معركة تشن ضد الأوطان والمصالح. وإن كانت الحاجة لمثل هذا التواصل ماسة قبل سنتين، فإنها اليوم ملحة، بل ويمكن اعتبارها ضمن أهم الأولويات الاستراتيجية لدبي.

ومنذ أكتوبر 2008، أي منذ بدأ الحديث حول الأزمة المالية العالمية الراهنة يكشف عن مخاطر اقتصادية عالمية ستطال اقتصاديات حية مثل دبي، لا يكاد يمر أسبوع واحد من غير أخبار سالبة عن دبي.

صحيح أن في مثل هذا الاهتمام الإعلامي بدبي تأكيدا على مكانة دبي الاقتصادية والسياحية، لكنه أمر محير أحياناً أن نقرأ كثيراً ما يشبه «الرهان» على أن دبي لن تصمد في وجه الأزمة. يقول لي صديق إماراتي وأنا أعبر له عن قلقي تجاه «الصمت» الطويل إزاء بعض التغطيات الصحافية السلبية عن دبي، متسائلاً: هل تقصد «أن الجمل إن طاح كثرت سكاكينه»؟

وكان ردي سريعاً: لم يطح الجمل ولن يطيح، ولكن «سكاكينه» كثرت وزادت شراستها حتى وهو يواصل سيره. وتلك مسألة متوقعة، سواء في ظل الأزمة المالية العالمية أو بدونها، إذ ليس بالجديد القول إن أحد مصادر «الشماتة» التي نقرؤها في كثير مما يكتب عن دبي، في الإعلام العربي أو البريطاني، يعكس حقيقة أن دبي فاجأت الكثيرين بتقديمها «أنموذجاً» يمكن أن يضغط في اتجاه التغيير المرجو في المنطقة. وهنا لا بد من التذكير بأن هذا الأنموذج الذي أشير إليه، ليس فقط في المنجز السياحي أو العقاري (المادي).

ولكنه أيضاً في المنهج الإداري وفي «العقلية الإدارية» التي جعلت صناعة «القرار التنموي» أولى من «القرار السياسي»، مما أعطى دبي هذه المكانة من التقدير والإعجاب. هل من حاجة للتذكير بإشارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لدبي في خطابه الشهير في القاهرة قبل أشهر، ودلالات تلك الإشارة؟

مشكلة دبي في تعاملها الحالي مع ما ينشر ويقال عنها في الإعلام العربي والعالمي، أن فيها من لا يزال يخلط بين منهج » التسويق» والإعلام، أو بين فكرة «الإعلان» و«الإعلام». دبي اليوم بحاجة أكيدة لفهم أكثر مهنية بأدوات التعامل الإعلامي، بعيداً عن أساليب «العلاقات العامة» التسويقية أو التبريرية. وأولى أدوات هذا النهج هو الجرأة في التعامل مباشرة مع كل التساؤلات والإشاعات حول اقتصاد دبي، أو تلك التي تمس بعض رموزها.

قيل الكثير عن دبي وسيقال الكثير. هناك نقد متواصل لبعض أوجه التنمية في دبي ومشاريعها، نقد في بعضه حق وفي أكثره باطل. وفي قائمة «المتربصين» بدبي أسماء أخرى تخدم «أجندات» معينة يغيظها صمود دبي في وجه الأزمة، وهي الآن تسن سكاكينها أملاً في سقوط الجمل الذي لن يسقط.

لكن الحقيقة التي يدركها من يقرأ الأحداث في سياقها الحقيقي، هي أن كل المبررات والظروف التي هيأت لدبي ما تحقق لها على مدى السنوات الماضية، لا تزال هي هي. بل إن قناعتي ـ التي عبرت عنها في أكثر من مناسبة ـ هي أن دبي ستكون (قريباً جداً) من أكبر الرابحين بعد انقشاع الأزمة المالية العالمية، وهي اليوم من أكثر المناطق السياحية في العالم جاهزية في بنيتها التحتية. والأهم من هذا وذاك، أن تجربة الركود الراهنة أعطت دبي فرصة ثمينة ل«استراحة محارب» قصيرة، لإعادة ترتيب الأولويات والاستعداد لانطلاقة جديدة.

كل هذه المقدمات هي في الواقع تأكيد على أهمية مواجهة كل تبعات الأزمة الراهنة، إعلامياً بلغة موضوعية تتطلبها المرحلة وتشترطها المهنية الإعلامية. لا بأس أن تختلف الآراء المحلية إزاء الراهن والمستقبل، وضروري جداً أن تعطى الأصوات المستقلة أو الناقدة الفرصة للإسهام في حوار بناء، مهما كانت بعض الآراء مزعجة لبعض الجهات التنفيذية. ففي المحصلة أي حوار وطني صادق، مهما تنوعت أصواته ورؤاه، سيخدم الإمارة وقيادتها وسيقطع الطريق أمام من يتربص بدبي ويتصيد أخطاءها.

وإن لم تتفاعل أصوات إماراتية، رسمية وغير رسمية، في مواجهة ما يثار حول دبي في الإعلام العربي والخارجي، سيسهم هذا الصمت في تصديق كل الروايات والإشاعات حول دبي، وهذا يناقض ما ترمز له دبي لشباب المنطقة الباحث عن تجربة نجاح عربية تدفع نحو التغيير المرجو في عالمنا.

إننا بهذا التردد ـ أو الصمت ـ إزاء ما يكتب ويقال عن دبي في الإعلام العربي والأجنبي، نسيء لدبي ومستقبلها. لا بد من تعامل مباشر وآن مع وسائل الإعلام كلها. ومهما تكن المواجهة الإعلامية متعبة ومزعجة ـ وربما محرجة ـ ستبقى أفضل وأسلم من الصمت أو التردد في التعامل مع كل ما يقال عن دبي صدقاً أو كذباً.

في دبي، ما طاح الجمل ولن يتعثر. لكن الصمت تجاه ما يقال عن بعيرنا المنطلق بثقة، سيغري المتربصين ببعيرنا بمواصلة رميه بسهام الكذب والمبالغة وسكاكينه. ألن تنهك وترهق بعيرنا سكاكين الشماتة والمبالغة، إن لم نصدها أو نحرف مسارها؟

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu