بعد 200 يوم فقط على تولي الإدارة الأميركية الجديدة، لم يعد سرا ولا خافيا على أحد، أن حملة إعلامية وسياسية سرية وعلنية، مكتومة ومتوترة تشن الآن في الدوائر الأميركية ضد التوجهات العاقلة الجديدة للرئيس الأميركي أوباما في الداخل والخارج وبين المحاولات غير العاقلة وغير العادلة للوبيات المصالح الصهيونية اليهودية وقوي اليمين المسيحي وتجار السلاح والحروب، سواء في الإدارة وفي مراكز صنع القرار خصوصا في وسائل التأثير على الرأي العام أو في الكونجرس الأميركي المشحون بالانحياز ضد العرب والمسلمين والانحياز لإسرائيل على حساب المصلحة القومية الأميركية.
فما أن بدأت محاولات الرئيس أوباما للتصحيح والتوازن لتحسين الصورة الأميركية في العالم خلال المئة يوم الأولى، ولدى العرب والمسلمين، بتصحيح أخطاء السياسات البوشية السابقة التي اتسمت بالانحياز الأعمى للعنصرية العدوانية الإسرائيلية، والتي قادت إلى الحروب العدوانية واحتلال أوطان عربية وإسلامية بما شوه الصورة الأميركية، وأفقدها المصداقية والثقة، وإلى ارتفاع درجة العداء والكراهية لأميركا لدى شعوب العالم، وإلى الإفلاس الأميركي المالي والسياسي والعسكري والأخلاقي، حتى بدأ الهجوم الصهيو أميركي المضاد خلال المئة يوم الثانية.
وليس أدل على ذلك من توافد وفود الكونجرس الأميركي الجمهورية والديمقراطية إلى تل أبيب لتأييد سياسات نتانياهو العنصرية والعدوانية المعادية للسلام بالاحتلال والعدوان والاستيطان، تحديا للشرعية الدولية، ومناهضة سياسات أوباما المطالبة بحل الدولتين وتجميد الاستيطان كمدخل للمفاوضات السياسية طبقا للرؤية الأميركية للتسوية السلمية.
كما ليس أدل على ذلك من مشروع القرار الأميركي المقدم إلى الكونجرس من غلاة النواب الصهاينة لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة بما يخالف الشرعية الأممية والقرارات الدولية بشأن عدم الاعتراف بشرعية جواز احتلال الأراضي بالقوة، وبالمخالفة لما درجت عليه حتى الإدارات السابقة الأكثر انحيازا لإسرائيل والأقل عقلا وعدلا في التعامل مع المسألة الفلسطينية!
والواضح أنه مازال هناك من داخل واشنطن وتل أبيب من يحاول جر أميركا للعودة إلى تلك السياسات البوشية الفاشلة وإغراق أميركا في مزيد من المستنقعات وتوريطها في مزيد من الأزمات ليس في العراق وأفغانستان فقط بل في سوريا والسودان، وفي باكستان وإيران، وليس مع الشعوب العربية والإسلامية فقط بل مع شعوب العالم سواء في أميركا اللاتينية أو في القوقاز وآسيا الوسطي، وذلك بمحاولات إجهاض سياسات أوباما للتصحيح وللتوازن والسعي للحلول السياسية لمصلحة الأمن القومي الأميركي!
ولهذا تسير الإدارة الأميركية حاليا على خط حديدي مزدوج ومتباين الاتجاه، مرة بالضغوط، ومرة بالحوافز، مرة بالتلويح بالعقوبات ومرة بالتلويح بالحوارات، ومرة بالانفتاح ومرة بالانغلاق، ومرة بالمطالب العاقلة ومرة بالمطالب المجنونة، بالسلام هنا وبالحرب هناك، وبالانسحاب من هنا والتورط هناك، بإعادة العلاقات مع سوريا والسودان، ورفع بعض العقوبات وإبقاء بعض العقوبات، وأخيرا بتصريح عاقل من الرئيس، ليناقضه في اليوم التالي تصريح طائش من نائب الرئيس أو من وزيرة الخارجية أو بقرار غير عاقل ولا عادل من الكونجرس!!
من هنا تبدو الصورة الأميركية مهزوزة ومشوشة، وتبدو لنا الشاشة الأميركية رمادية، ويغيب عنها التوازن بين الأبيض والأسود بفعل غياب التزامن الرأسي مع التزامن الأفقي، معادية أحيانا ومساوية أحيانا بين المعتدي الصهيوني والمعتدى عليه الفلسطيني خصوصا والعربي عموما.