تعجبني دبي بتطلعاتها لأن تكون مدينة رائدة ليس على نطاق المنطقة، بل على نطاق أوسع من ذلك بكثير. ولا أكون مبالغاً إن قلت إنها وضعت نفسها على خريطة العالم وفي مكان مميز، ولا أدل على ذلك إلا تلك الإعلانات التي نراها في كبريات الفضائيات والتي تشير إلى منتجعاتها الفندقية وبرامجها التسويقية فضلاً إلى طيرانها الرائد.
وتعجبني دبي أيضاً بمبادراتها الخلاقة التي تدل على حيويتها وجدية القائمين على شؤونها ونزعتهم إلى الأخذ بكل جديد يدفع مدينتهم إلى الأمام، ولعل مشروع المترو الذي ستحتفل المدينة ببدء العمل به قريباً ما هو إلا واحد من المشروعات النافعة التي تجسد روح المبادرة تلك.
ولكوني مهتماً بمشاكل البيئة ومتابعاً لقضية الاحتباس الحراري، ومكثراً في الكتابة حول التشجير والتخضير، فقد لفت انتباهي ما نشرته جريدة البيان قبل مدة (24/7) لحديث حسين ناصر لوتاه، مدير عام بلدية دبي في لقاء مع برنامج «ظل الكلام» على التلفزيون المحلي في المساء الذي سبق ذلك التاريخ.
حيث أشار إلى مشروع طموح لا أظن أن أي مدينة عربية أخرى تحاول تطبيقه أو حتى فكرت به، وهو «قياس النقاط الحرارية في مدينة دبي عن طريق الأشعة الحمراء لتحديد درجة الحرارة في المناطق الأكثر سخونة ومعالجتها بوسائل متعددة من اجل تخفيف حرارة الطقس».
وقد واصل لوتاه حديثه المثير للإعجاب، والذي نأمل أن يتحول إلى حقيقة بأسرع وقت ممكن، ليؤكد في إنه «بالإمكان في حال نجاح هذه الوسائل تحقيق تخفيض ملموس في درجة الحرارة يصل 5 درجات اقل من المستويات التي تصلها حرارة الطقس حاليا». وأشار إلى أن من «الوسائل الأساسية التي يمكن استخدامها على هذا الصعيد زيادة الرقعة الزراعية، وكذلك استخدام بعض الوسائل التي تتعامل بكفاءة مع حركة الهواء في المدينة، وهذه الأساليب طبقت في أماكن كثيرة في العالم وأثبتت نجاحها.
وقال (ونحن نستميح القارئ عذراً في نقل كلامه حرفياً وذلك للأهمية) انه على صعيد زيادة الرقعة الزراعية فإننا لا نكتفي بالمساحات الخضراء التي نعمل على انتشارها باستمرار، بل نتجه كذلك (وهنا الشيء الجديد والمثير) إلى تعميم الزراعة بمساحات مهمة فوق أسطح المباني، وذلك في إطار مشروع الأبنية الخضراء الذي جرى اعتماده في دبي لإقامة مبانٍ صديقة للبيئة، حيث تساعد الزراعة فوق المباني في تقليل الحاجة إلى التكييف وبالتالي الحد من استهلاك الكهرباء التي يؤدي التوسع في توليدها إلى زيادة التلوث».
وتجربة الأبنية الخضراء ستكون تجربة رائدة ستقود بها دبي باقي المدن العربية، وستسير على خطى بعض المدن العالمية، التي تحدثنا عنها في إحدى مقالاتنا تلخيصاً لما نشرته مجلة «ناشيونال جيوغرفيك» الأميركية العريقة في عدد مايو من هذه السنة. والحق أن بناء الأبنية الخضراء الصديقة للبيئة هي واحدة من الحلول فضلاً عن العودة إلى البناء العربي، الذي خرج من رحم البيئة العربية بمناخها القاسي.
ولعل العودة إلى بناء الأروقة (جمع رواق أو الليوان بلهجتنا المحلية) من الخيارات المهمة لتلطيف البيئة وإعطاء السابلة والمتسوقين فرصة الحركة والتبضع تحت أسقف ظليلة تحميهم من أشعة الشمس الحارقة، وهذه الأروقة كونها مفتوحة جزئياً فيمكن بسهولة تركيب مراوح مائية في أسقفها للتبريد، كما هو حاصل في بوابة الخروج لمطار دبي.
على أنه يظل التحدي الأكبر أمام دبي ومدن الخليج العربي الأخرى، وربما مدن عربية أخرى كبغداد على سبيل المثال، هو زيادة الرقعة الزراعية داخل المدينة والإكثار من عمليات التخضير والتشجير والاهتمام بزراعة الأشجار الظليلة وتقليمها بطريقة تؤدي إلى توسعة المساحة التي تحجب بها الشمس بحيث يكون ظلها كبيراً.
هذا إضافة إلى حماية تلك المدن بزراعة أحزمة كثيفة من الأشجار ومصدات الرياح التي تقلل من تسرب الأتربة المتطايرة والغبار القادم من مسافات طويلة. وهنا يمكن الاستفادة من أشجار ونباتات البيئة واستزراعها والإكثار منها كشجرة القاف والسدر والأثل ونبات «العرفج»، الذي بات استزراعه ممكناً والذي يحافظ على تماسك التربة. وهذه الأشجار والنباتات لا تحتاج إلى الكثير من الماء.
ولا شك أن أهم عقبة تقف في طريق زيادة التشجير والرقعة الزراعية في دول الخليج العربي هي قلة الموارد المائية، وهذه المشكلة يمكن التقليل من أثرها باستخدام طرق الري الحديثة بالتنقيط فضلاً عن الاستفادة من المياه المعالجة، وهي تلك المياه التي يتم تصفيتها بعد استخدامها، وهذه كميتها ضخمة بسبب ارتفاع استهلاك الفرد الخليجي من المياه العذبة. ولعل الطاقات النظيفة والمتمثلة أساساً في استخدام الطاقة الشمسية ستفتح الأفق واسعاً أمامنا لاستخدامها في تحلية مياه البحر، وبالتالي زراعة مساحات شاسعة داخل مدننا وفي محيطها، بحيث ننعم في المستقبل ببيئة خضراء ونظيفة.
تمنياتنا أن تنجح تجربة دبي في التقليل من حرارة الجو وأن تكون سابقة تحتذي بها باقي المدن العربية وعلى رأسها مدننا في منطقة الخليج العربي التي تشكو من الحرارة الزائدة.
كاتب كويتي
