إنه لأمر مؤسف أن تتواصل الأعمال الإجرامية لتنال من الشعب العراقي، حيث هزت سلسلة تفجيرات مدينتي بغداد والموصل أمس أسفرت عن سقوط عدد كبير من المدنيين يقارب 300 بين قتيل وجريح، موحية بعدم وجود نهاية لهذه الأعمال في الأفق، وأن المعطيات والظروف الحقيقية لوقف دوامة العنف لم تتوفر بعد. إن مسؤولية هذه التفجيرات الدموية الإجرامية تتحملها القوات الغازية وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين قادتا هذا الغزو لاحتلال العراق.
وذلك بالنسبة إلى ما رفعتاه من شعارات من قبيل (تحرير الشعب العراقي من الظلم والديكتاتورية، وإتاحة الفرصة له لممارسة الديمقراطية، وحرية التعبير)، وهي شعارات أثبتت الأيام والممارسات للقوات الغازية وسياسات دولها أنها لم تكن سوى حق أريد به باطل، فكان تدمير البنية التحتية للعراق بشكل كامل سواء بنيته الزراعية أو الصناعية أو البنية العلمية أو التكنولوجيا والطب أبرز الأدلة على أن ليس هناك غزو يحمل خيرًا لمن وقع عليه الغزو، وليس ثمة احتلال يحقق أمنًا واستقرارًا وتنمية لمن وقع عليه الاحتلال.
وبعد أن فرغ أصحاب المشاريع الاستعمارية والتدميرية في العراق من تدمير بناه التحتية التي كانت من أفضل وأمتن البنى التي تم إنشاؤها فيه، وانتهوا من تصفية جميع كوادره العلمية والأدبية والثقافية، لم يكتفوا بذلك ـ كما يبدو ـ فانتقلوا إلى خطوة تدمير المواطن والإنسان العراقي بشكل كامل من الناحية الدينية بغرس الفتنة الطائفية وتأصيلها فيه، ومن الناحية النفسية لينشأ ناقمًا على كل ما حوله وكل من يمت إليه بصلة في الدين والعروبة.
ومن الناحية المعرفية والثقافية والعلمية بتجهيله واستهداف المؤسسات التعليمية والجامعات العلمية، ومن الناحية المعيشية والكينونة والهوية بعدم توفير فرص العمل وإشاعة أجواء عدم الاستقرار والأمن والطمأنينة، وحرمانه من أبسط حقوق الإنسان ليبقى ممزقًا بشكل دائم.
إن ما يجري ضد الشعب العراقي من استهداف وقتل وحرمان لا يقره شرع ولا دين، ويتنافى مع المبادئ والقيم الإنسانية والشرعية، ويؤكد أن هناك قوى ظلامية ومندسة وفئات شريرة تسعى لإرجاع العراق إلى العصور المتخلفة والجهل والفقر والظلام، وقطع كل الطرق عليه حتى لا يتمكن من أن يتلمس سبل العيش الكريم والرخاء والاستقرار والأمان، وإعادة بناء ما دمره الغزاة والمحتلون، وإعادة الصورة الحضارية والتنويرية والتراثية والثقافية والعلمية والأدبية التي طالما اتسم بها العراق وارتبطت به تاريخيًّا.
ولذلك فإن العراقيين بحاجة ماسة اليوم إلى تطويق جذور الفتنة والطائفية وإعادة إنتاج تلك الصورة التكاملية الجميلة التي ميزت النسيج المجتمعي العراقي المترابط بمختلف فئاته وطوائفه، وأكدت تلك القدرة الهائلة التي يمتلكها الشعب العراقي لصهر كل أسباب الفتنة والاتفاق على أنها نائمة لعن الله من أيقظها، وعدم اللين أمام محاولات الاحتلال ومن يختفي تحت عباءته لجرهم نحو الطائفية والتشبث بها ومنعهم من السير نحو الاتجاهات الجامعة، كما أن عليهم الاتفاق على أن طرد الغزاة وإنهاء الاحتلال من أهم العوامل الدافعة إلى بناء العراق المستقل ذي السيادة.
والانتباه إلى أن هذا أيضًا لن يتم إلا بالوحدة الوطنية، والوعي بأن ثمة قوى ظلامية تنفذ عمليات إجرامية ضد الشعب العراقي ومصالحه تشي بأنها قامت بها طائفة معينة من مكونات الشعب العراقي من أجل أن يستمر مسلسل تفتيت العراق من خلال توجيه العراقيين أصابع الاتهام إلى بعضهم بعضًا وبالتالي توجيه أسلحتهم كذلك، وإعطاء انطباعات ومبررات أن قوات الأمن العراقية غير قادرة على حفظ الأمن بدون مساندة من القوات المحتلة ليظل الاحتلال جاثمًا على صدور العراقيين.
