لا يمكن تبرئة الغرب من التلاعب بالدول التي يستهدفها، فقد جرى في الأيام الماضية استغلال مبرمج مع إيران أطرافه أمريكا، وبريطانيا وفرنسا، معتبرين ما يجري خطوة لخلق فوضى جديدة في بلد قفز من الظل إلى الواجهة عندما عزمت إيران إنتاج سلاح نووي، ومن ثمَّ الخلافات على نتائج الانتخابات..

الفرص تعطي من يستغلها التفوق النسبي، ويكفي أن المتصارعين على حلبة الدولة هناك، أعطوا الدول التي تعادي توجه إيران منفذاً لدخول ساحتهم، وهذه المرة لم تتحرك الأساطيل لحصار الموانئ، والمنافذ البرية والجوية، وإنما فتح الشفرات المغلقة للتواصل مع المعارضين لنهج حكومة نجاد ، وتركهم يرسلون الصور للمظاهرات والمحاكمات ، والردود على الإعلام الأحاديّ الجانب والرسمي، مع الطرف الآخر، وهذه المنافذ لم يكن أحدٌ أخذَها بالاعتبار أن تتحول إلى أدوات بيد من يملكون التقدم في تقنية الاتصالات، والتي لم يعد لدى الدول المتخلفة القدرة على صدها أو منعها..

هناك مشكلة الثورات التي تنتقل من تهييج الشارع إلى الاصطدام بواقع مختلف عندما تشرع وتنفذ، وتعارض أو تعادي قيادات شاركتها الثورة وفلسفتها ونظامها، ثم تتجه الشعارات للمزايدة على الشارع، والذي بدوره ينقسم مع انقسام الإرادات، ليبدأ من يملك القوة والنفوذ الداخلي فرض إرادته، وقد عرفنا كيف تمت التصفيات في الثورة البلشفية أثناء حكم لينين ثم إدارة الدولة بالسُّخرة والمنافي لسيبيريا أثناء حكم ستالين ، ثم الثورة الثقافية الصينية التي قادها "ماوتسي تونغ" ضد رفاقه، وما حدث عربياً مع الثورات في مصر والعراق، والجزائر وغيرها باستبدال الأعضاء الرئيسيين بأعضاء الموالاة، والقيام بهدم الاقتصاد بالتأميم، وإنفاق المداخيل على السلاح ودوائر الإعلام المشتراة..

التعامل مع الإنسان لا يخضع للعواطف عندما تبرد، وتبدأ الاحتياجات تفرض وجودها. ولعل نماذج الثورات في العالم الثالث، أعطت الصورة البائسة، لأنها استبدلت ما هو أسوأ بأسوأ منه، ثم إن الزعم بأن السلطة أياً كانت هي ضمير الأمة والمعبر عنها، أو مثلما قال دكتاتور أسبانيا لشعبه "دعوني أفكر عنكم" يتطابق مع كل النماذج التي أنشأت المحاكم الثورية والابتدائية والطارئة للمعارضين ، ولأعداء الشعب والعابثين بأمنه، وعملاء الخارج إلى آخر قوائم الاتهامات التي كررتها الحكومات الثورية، وصارت بديلاً عن التنمية البشرية والاقتصادية ومعياراً تقاس به هيبة الثوريين ممن اعتقدوا أنهم النقاء الفطري أمام غوغائية الشارع، ومن يقودونه نيابة عن أعداء الأمة والشعب..

لقد ماتت هذه المفاهيم لأن العالم تغير، ومعه انقلبت المعادلات بين ما هو حقيقي يمثل الإرادة الشعبية ، وبين ما هو نقيضها، والدليل أن اليساري والقومي ، والديني الذي يرفع الشعار ويهمل الحقوق سقطوا في اختبارات المواجهات المضادة، لأن انتزاع الحقوق والحريات وتلبية الاحتياجات الضرورية والإنسانية ليست شعاراً للغرب أو الشرق وإنما هي حتمية تلتقي عندها مطالب كل الشعوب..