أناس كثر يصبون جل اهتمامهم على أن يصبحوا قادة، يحدوهم في ذلك حب السلطة بعيداً عن روح الفريق. وأما القائد الحقيقي، فهو من يعرف جيداً كيف يبني فريقاً متماسكاً ويعزز الروح القيادية لدى الآخرين.

وفي حين يمكن تعريف القيادة في عالم الأعمال بأنها عملية التأثير في الآخرين بحيث يتفهمون ما يجب القيام به ويتفقون على كيفية تنفيذه بنجاح، فإن القيادة في الحياة العملية شيء مختلف تماماً.

فالقائد الملهم يجعل كل فرد في محيطه يشعر بأنه مهم حقاً وقادر على التعبير عن رؤيته وإلهاب مخيلة الجميع من حوله، كما أن القائد مطالب بأداء واجبه تجاه الآخرين، وإثبات نزاهته، وتفهمه للقدرات والمهارات التي تميز كل فرد عن الآخر، وإبداء احترامه وثقته للآخرين، وتنمية علاقات جدية ونافعة على المدى الطويل.

ويأخذ القائد الفذ على عاتقه أيضاً تمكين الآخرين من العمل بكفاءة، وبناء ثقتهم بأنفسهم، واستنهاض قدراتهم التأملية والتحليلية للفرضيات، والسعي إلى تحقيق التكامل، وترك بصمتهم عن طريق مشاركة الآخرين وصولاً إلى نتائج ملموسة ومهمة.

لقد التقيت في الأشهر الأخيرة عدداً من الأشخاص الذين يتبعون مناهج وبرامج لاكتساب المهارات القيادية؛ ولكنهم عندما يلخصون النتائج المرجوة من هذه البرامج على المدى البعيد، فإن اهتمامهم يتمحور حول المكاسب الشخصية فقط وكيف أن مسيرتهم المهنية ستتطور وفرصهم ستتحسن، أكثر من اهتمامهم بكيفية توظيف مهاراتهم القيادية المكتسبة في قيادة الآخرين وتشجيعهم على بناء مجتمعات متماسكة وأجيال قوية، وما إلى ذلك من المهام المنوطة بالقائد الحقيقي. وبالتالي، فمن يعتقد منهم أنه يمتلك الدراية الكافية بفن القيادة من حيث المعنى والتطبيق، لابد وأن يعيد النظر في ذلك.

وفي رأيي، فإن المسيرة المهنية لشخص ما لا تختلف كثيراً عن دورة حياة الفراشة، التي تبدأ يرقة تتغذى ببطء لتستمد من غذائها قوة توظفها فيما بعد، تماماً كما نكتسب الخبرة حين نبدأ العمل لنتمكن لاحقاً من تطوير مسيرتنا المهنية. تدخل اليرقة بعدئذٍ مرحلة الشرنقة حيث تقوم باستهلاك كل ما تناولته من غذاء ـ ومن الواضح أن أهم التغيرات تحدث في هذه المرحلة، تقريباً بشكل مشابه لإنسان يتبوأ منصباً في الإدارة الوسطى، حيث نستغل وقتنا في تعزيز معارفنا ومخزون خبراتنا.

وفي النهاية، تخرج الفراشة إلى النور يدفعها الواجب نحو تنشئة الجيل التالي. ولكن كما في الواقع، لا تصل كل اليرقات إلى مرحلة الفراشة، تماماً مثلما يخفق بعض الموظفين في الحصول على مناصب إدارية عليا أو حتى متوسطة. ولكن في النهاية، فإن كل خطوة ناجحة على السلم الوظيفي تأتي نتيجة الجهد الدؤوب الذي تتطلبه كل مرحلة.

وأما بالنسبة لمن يخفقون في الوصول، فالسبب أحد اثنين: إما أنهم لا ينصتون أثناء تلقيهم الدروس في مهارات القيادة، أو لا يتعلمون مما يجري حولهم فيتيهون كلياً عن مفهوم القيادة.

وأرى شخصياً، أن المنتسبين لهذه الفئة يهتمون بالسلطة أكثر من اهتمامهم بالقيادة، وبالإنجازات الشخصية أكثر من كونهم مسؤولين عن الآخرين. وفي حين يتطلب التسلط عدم انضباط وأنانية فطرية، نجد أن القيادة تستوجب التواضع والتعاطف. ولكم أن تختاروا.

في حين يمثل تطوير النزعة الفردية داخل المؤسسة أمراً جيداً لكونه يعزز القدرات القيادية للفرد ويعطيه الحافز ويشجعه على التطوير الذاتي، فإننا نبقى نحن البشر مخلوقات اجتماعية بالفطرة ولا نؤثر إلا إذا كنا ضمن جماعة. ومن هنا جاء مصطلح «الرعاية المجتمعية».

لك أن تتأمل في الحملة الأخيرة لانتخاب باراك أوباما، لترى فيها خير تجسيد للرعاية المجتمعية عبر ما بثته من الطاقة والروح الجماعية والأمل في حياة الأميركيين اليومية.

نشرت مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو» مقالة حديثة للبروفيسور هنري ميتزبيرغ، الأستاذ في جامعة «ماكجيل»، عن كيفية قيامنا بإعادة هيكلة الشركات على شكل مجتمعات.

وقد أعلن بشكل واضح أنه على الموجودين في المراكز القيادية أن يفتشوا بدقة عن القدرات المطلوبة للحصول على نتائج متجددة ومستدامة، وذلك بتشجيعهم لمن يتولون الإدارة الوسطى على ردم الهوة بين العميل واستراتيجية الشركة، وبذلك يخلقون لديه إحساساً بالملكية وروح المجتمع المؤسسي.

ويرى مينتزبيرغ أن فكرتنا عن العلاقة بين الإدارة والقيادة معقدة ومتشابكة وأننا ننظر إليها بشكل فردي إلى حد كبير، وأنا أتفق معه في هذا الرأي.

لقد ابتكر مينتزبرغ مصطلح «الرعاية المجتمعية» موضحاً أن القيادة يجب أن تنبع من الداخل أو من الوسط وليس بأسلوب تقليدي من القمة. ويقول: «على القائد أن يتدخل عند الضرورة ولكن في الوقت ذاته أن يشجع مرؤوسيه على التركيز على المهام التي بين أيديهم».

يمكن لمجموعة صغيرة متحمسة أن تبدأ بناء مجتمع داخل المؤسسة عن طريق تبادل الخبرات فيما بينهم والعمل على تحقيق هدف مشترك. عندئذٍ، تتحول هذه المجموعة إلى قوة تغيير وتغدو مثالاً يحتذى به في قيادة المجتمع المؤسسي عبر المؤسسة بأكملها، وصولاً إلى أصحاب المصلحة في المجتمع عموماً.

ونحن في دولة الإمارات العربية المتحدة معتادون على العيش في ظل قيادة حكيمة طموحة ومعطاءة تشكل جزءاً لا يتجزأ من كل تفاصيل حياتنا تقريباً. ومن هنا، يسهل علينا أن نلاحظ التلاشي السريع لمبدأ »القيادة القدوة« عندما ننزل درجات السلم وسط تصورات خادعة بأن لقب مدير أو رئيس مهم لتحقيق أهداف المرء القيادية، ولا بد من الحصول عليه ليكتمل النجاح.

ولكي نستفيد من التدريب على القيادة، فإنه من الأهمية بمكان أن نستوعب مفهوم «الفريق»، وإلا فكيف سنقود؟ علينا ألا نزج بالشباب المواطن في مناصب قيادية إلا بعد جهوزيتهم. كلنا نريد أن نكون أشداء العود، ولكن علينا أولاً أن نمر بمرحلة الطفولة وأن نختبر رحلة التطور، سواء حططنا في حديقة أو حلقنا عالياً في السماء.

راقب في غضون السنتين القادمتين لترى أي زملائك سيتولى منصباً قيادياً، وستلاحظ أن من يحقق ذلك سيكون فقط المبدع والمبتكر والقادر على تجاوز منظوره الشخصي الضيق والانطلاق نحو الإطار العام، ومن يضع الفريق في المرتبة الأولى ويغذي ثقافة الرعاية المجتمعية.

في الوقت الذي يسعى فيه الشباب الإماراتي وراء المناصب القيادية، علينا أن نفهم أن هذه المناصب هي قدوة لمرؤوسينا وعملائنا وشركائنا والسوق العالمية التي نتنافس فيها. علينا أن نقدم أفضل ما لدينا حتى نكون الأمة التي نريد ونستحق، وحتى نبرهن للعالم كله أن للإمارات العربية المتحدة مساهمة مهمة في مجال القيادة.

كاتبة إماراتية

amina@zabeelinvestments.com