من كان يعتقد بأن الحركة السياسية في لبنان ستستمر في تطورها الروتيني المعهود إلى ما لا نهاية، أصيب حتما بخيبة أمل كبيرة خلال الأيام القليلة الماضية. فما جرى على صعيد إرسال الإشارات القوية بخصوص احتمال إعادة التموضع السياسي بين القوى المختلفة، قد شكّل تطورا لافتا يستحق التأمل والتدقيق: أولا لأخذ العبر الموضوعية، وثانيا للبناء عليها بهدف تسهيل عملية التنبؤ بما قد يحدث مستقبلا على صعيد التطور السياسي الداخلي.
وبالتالي فإن من تجرأ على إطلاق العنان لقلقه في هكذا ظرف هو في الحد الأدنى غير مؤهل لخوض العمل السياسي في لبنان. ومن تمادى في شماتته ليس سوى مراهق سياسي يحتاج لعملية صقل جذرية تعيد إليه بعض الوعي وتسحبه من فضاء خياله إلى الأرض مجددا. فالخطوة (المرتبكة) التي أقدم عليها السيد وليد جنبلاط لم تكن وليدة الصدفة ولا نتاج الحسابات المتسرعة، بل تطور طبيعي لمجموعة من التطورات التي تراكمت وبلغت ذروتها خلال الأشهر القليلة الماضية.
وبغض النظر عن الدوافع التي أدّت لمثل هذا التحوّل في الأداء السياسي لزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، فأن ما يتوجب على المراقبين أن يلحظوه في خضم هذه التشوّقات الكثيرة التي أذهلت الساحتين الإعلامية والسياسية لساعات معدودة، هو فيما إذا كان هذا التطور فريدا من نوعه ومرتبكا حقا، أم أنه سيشكل حالة راسخة في العمل السياسي خلال هذه المرحلة. ذلك أن كافة المؤشرات الطبيعية الناجمة عن دراسة أداء الحركات والأحزاب السياسية في لبنان تدل في الحد الأدنى على حتمية حدوث تقلبات جذرية في التحالفات والتوجهات السياسية، ناهيك عن التغييرات المحتملة في مسألة تبنّي الشعارات والأهداف المختلفة.
وهذا أمر ليس بجديد على الساحة السياسية اللبنانية بل يبدو في بعض الأحيان حالة ملازمة لها، لدرجة أن المراقبين يفقدون معها القدرة على المتابعة والرصد الدقيق للأحداث.وانطلاقا مما سبق، يبدو بأن الساحة اللبنانية مقبلة فعلا على تطورات في غاية الأهمية في ما يخص التحالفات المختلفة، وهو أمر توقّعه كثيرون ممّن يجيدون قراءة الوضع السياسي والطائفي اللبناني، ولاحظه أيضا آخرون ممّن كانوا ولا يزالون قلقين على مصير الإصطفافات السياسية القائمة حاليا.
وليست الحركة الصاعقة التي أقدم عليها السيد وليد جنبلاط سوى جزء من مقدّمة التطور المحتمل، الذي من المفترض أن يتصاعد عاموديا وإن بشكل بطيء خلال المرحلة المقبلة.
لكن الفريد في ما يجري في لبنان حاليا هو أن الساحة السياسية تبقى مفتوحة على مصراعيها أمام جميع الاحتمالات، لأن التحالفين الأساسيين اللذين تقوم عليهما حركة الصراع السياسي، أي تجمّعي ثمانية وأربعة عشر آذار، يشكّلان في واقع الأمر خليطا غريبا لقوى وشخصيات متفاوتة الحجم والتأثير والنفوذ، ناهيك عن اختلافها الجذري في الهوية والانتماء العقائدي.
وقد التقى كل هؤلاء في مرحلة معيّنة من التطور التاريخي لينقسموا في التجمّعين المذكورين أعلاه، كلّ وفق طريقته في رؤية الواقع وكيفية ملامسته، لكنهما استبعدوا في تلك المرحلة الزمنية الانتماء العقائدي الذي سبقت الإشارة إليه بسبب الظروف الموضوعية الكثيرة التي كانت سائدة. وقد بدا ذلك بوضوح من خلال وجود قوى يسارية ويمينية وإقطاعية وطائفية في كلا المعسكرين، ما جعل من صراع المعسكرين المذكورين شأنا فريدا من نوعه عن حق.
اليوم يبدو بأن الأمور قد وصلت إلى مرحلة معيّنة من التطور فرضت على بعض القوى أن تفكّر في مصيرها السياسي المرحلي وتاليا في خطواتها المستقبلية والمدى الذي ستسلكه عملية إعادة التموضع. وفي هذا الإطار يأتي على ما يبدو التحرّك المرتبك والمربك في آن للحزب التقدمي الاشتراكي، الذي أراد من خلال رئيسه أن يرسل كثير من الإشارات التي فُهم بعضها ولا يزال البعض الآخر خاضع للتفسير.
وشخصيا لا أُخضع هذا التحرك لأية تفسيرات مبالغ بها كما فعل كثيرون في اللحظات الأولى التي تلت التصريح الشهير للسيد جنبلاط، بل أعتبره جزءا مكمّلا للمشهد السياسي اللبناني الملتحق تدريجيا الآن بالإطار الإقليمي الأوسع.
وبغض النظر عن الأهداف التي سيحققها هذا التحرك، إذا تمكّن أصلا من تحقيق أي شيء جدي في المدى المنظور، فأن المطلوب فهمه بإلحاح هو أن هذه النقلة لن تكون الوحيدة إطلاقا، وأن الساحة مقبلة حتما على مزيد من المفاجئات في ما يخص التحالفات أو الاصطفافات السياسية كما يقول اللبنانيون. لا شيء مستبعد في هذا الإطار، فلا يظنّن أحد بأن هذا الطرف بعيد عن الآخر بأي شكل من الأشكال، لأنه سيصاب حتما بخيبة أمل كبيرة عند ملامسته للواقع السياسي المستجد.
.. برغم ما يجري يحق للبعض أن يستبشروا خيرا بهذا التطور العامودي الآخذ بالتبلور شيئا فشيئا، وذلك انطلاقا من مجموعة أمور اختصرها على الشكل التالي:
- أن أي تطور في الأداء السياسي قد يشكّل نقلة معيّنة نحو مستقبل جديد للوطن، وخصوصا في ظل المسلّمات التي بات الجميع متفقا عليها في ما يخص الحرية والسيادة والاستقلال تحديدا. وبالتالي فإن توضيح التحالفات، وتاليا الأهداف، هو أمر ضروري إن كان للإضاءة بشكل أفضل على السكّة السياسية أم لتعرية المتقلّبين في مواقفهم.
- أن هذا التطور لن يشمل التجمّعين السياسيين المذكورين أعلاه فقط بل سينسحب حتما على مكونات أخرى في النسيج الوطني اللبناني. وقد برزت نتائج ذلك في الخطاب الأخير لرئيس الجمهورية والذي حدد فيه سلسلة من الأفكار الثورية والاستراتيجية التي تلامس الواقع اللبناني المريض، ما يجعله طرفا مهما في البحث عن الحلول.
.. حبذا لو تمكنت القوى الرئيسية من احتضان ما جاء في ذلك الخطاب الرئاسي، فجميعها تعي جيدا بأن في ذلك إنقاذ للوطن.. وتمهيد لطريق الخلاص الصادق.
كاتب لبناني
