خلال العقود السابقة من السنين مرت القضية الفلسطينية بسلسلة طويلة من الإخفاقات الحرجة والمصيرية. بدأت القضية بوعد بلفور الصادر عام 1917 تلته عمليات سياسية وعسكرية وديمغرافية، علناً ومن خلف الكواليس، أدت إلى زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة كأمر واقع.
دولياً حصلت إسرائيل على اعتراف أعضاء مجلس الأمن الدولي أصحاب الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية على الساحة السياسية الدولية. ثم أتت حرب حزيران 1967 والتي بنتيجتها حصلت إسرائيل على مساحات إضافية من أراض عربية.
هذه الأراضي الإضافية محتلة حسب القانون الدولي، «محررة» حسب المفهوم الصهيو ـ إسرائيلي، أو «غنائم حرب» حسب المفهوم الأميركي وبعض الكيانات الغربية الأخرى.
من جانبها فالقوى العربية أضافت وتضيف بضعفها وفشلها في معالجة مختلف القضايا الداخلية والخارجية إخفاقات تنعكس على الطبيعة السياسية الهشة للقضية الفلسطينية. لكل نظام سياسي عربي تدخّلَ في القضية العربية بصمات إخفاق وانتكاس واضحة بشكل أو بآخر.
بالذات أضافت الحروب العربية ـ الإسرائيلية حالات بؤس وتردٍّ للأوضاع النفسية والمعنوية والسياسية لأهل المنطقة. حدث ذلك بعد كل محاولة تقريباً للتقدم باتجاه تحرير فلسطين أو جزء منها أو مساعدة أهلها المنكوبين. ما حروب 1973 و1982 مثلاً والحروب والحركات الجانبية الأخرى إلا جزء من هذه الظاهرة.
أتى مؤتمر مدريد عام 1991 حيث بدأت تظهر تعبيرات جديدة تعبر عن عمق الهوة بين المفهوم الإسرائيلي والغربي، بالذات الأميركي لواقع الأمور، وبين المفهوم العربي والقوى المتعاطفة معها. ظهرت تعبيرات ومصطلحات سياسية مثل «الأرض مقابل السلام»، ذي الأصول الأميركية.
ذلك كما لو كانت إسرائيل هي صاحبة الأرض، بالملكية أو كغنائم حرب، تود استبدالها بالسلام الذي يقدر العرب والعالم إعطاءه لها. كلا التعبيرين أو المفهومين خاطئان، فلا إسرائيل لها شرعية امتلاك الأرض ولا العرب مؤهّلون لمنحها السلام.
الشروع بتطبيق هذا المفهوم الجائر المنحاز لجانب إسرائيل أدى إلى حصول اتفاق أوسلو الموقّع في واشنطن عام 1994. بنود الاتفاق مثيرة للجدل والاختلاف بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني في كل أمر أراد الطرفان التطرق إليه مهما كان ثانوياً. إلا من إنتاج سلطة فلسطينية شكلية خائرة القوى سهلة الانقياد فاقدة للسلطة والسيادة والإمكانيات فلقد كان اتفاق أوسلو وبالاً على القضية الفلسطينية وأهلها.
في النتيجة فإن ما لم تحققه إسرائيل في ميادين الحروب حققته تبعاً لجملة من التوقيعات على وثائق تنازلات مباشرة وضمنية. اعترفت تلك الوثائق بشرعية وجود إسرائيل وسيادتها واحترام قراراتها وتوجهاتها وطموحاتها.
كل ذلك مقابل ما يمكن أن يطلق عليه «غذاء وطعام وتخفيف حصار مقابل تنازلات». تنازلات أدت حتى بالرئيس الأميركي «باراك أوباما» إلى أن يعلن أنها على كثرتها وحدّتها في النهاية لم تحقق الحد الأدنى من السلام المنشود.
الوهن والتضعضع والتشرذم العربي، والفلسطيني بصورة خاصة، متواصل. لا حاجة لإسرائيل لتقديم أي تنازل باتجاه الحصول على تقدم فيما بات يسمى في إسرائيل ب«السلام غير المرغوب فيه مع العرب».
النشاط الإسرائيلي في مختلف الاتجاهات وخاصة في مجال التوسع والاستيطان وإرهاب الدولة المنظم لم يتأثر. على العكس من ذلك زادت وتيرة هذه سرعةً وخاصةً في الأمكنة والأبعاد الأكثر حساسيةً واستفزازاً وتحدياً للمشاعر الدينية والوطنية والقومية.نتيجةً لذلك ففي الوقت الذي يكابد الفلسطينيون في المناطق المحتلة والمدارة من قبل السلطة الفلسطينية تسير الحياة في إسرائيل والمستعمرات اليهودية بشكل اعتيادي.
ثمة مع الجانب العربي يستمر النفوذ الإسرائيلي في التمدد واختراق الكيانات والمجتمعات العربية اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً وثقافياً. تدعم ذلك اتفاقيات ثنائية علنية وسرية من شأنها زيادة التعاون بين إسرائيل والدول العربية بشكل بعيد عن لب وجوهر الصراع العربي الإسرائيلي.
أخيراً وصلت المطالب الغربية وبالذات الأميركية من العرب جميعاً بالشروع بالتطبيع المجاني مع إسرائيل، كما لو كان العرب «قطيعاً من الماشية سهل الانقياد أو البيع». ذلك على أمل «إحراج» الطرف الإسرائيلي وإقناعه بالبدء بخطوات اتجاه السلام، مهما تكن تكتيكيةً شكليةً غير ذات قيمة على أرض الواقع. هنالك حقيقة واقعية تفرضها طبيعة وتاريخ النزاع وهي أن التطبيع العربي مع إسرائيل لم يزل سيفاً ذا حدين.
حد هذا السيف ضد إسرائيل غير فعال نتيجة للشلل في القدرات العربية العسكرية والسياسية والاقتصادية. لكن حد سيف التطبيع على رقبة الطرف العربي فيه من الفعالية الكافية. بالدرجة الأولى فهو يضع المطالبة باستحقاقات التطبيع والسلام مع إسرائيل في كف المقامرة والمغامرة وحتى الرهان الخاسر. الطرف الإسرائيلي يمتاز بالجشع والطمع والسادية في تحقيق مطالبه، بالمقابل يتميز بالصلف والعربدة والتبجح والمماطلة والتسويف فيما يختص بالحقوق الفلسطينية.
لم يأت رفض وزير الخارجية السعودية لمطلب وزيرة الخارجية الأميركية بشأن التطبيع العربي مع إسرائيل من فراغ. السعودية هي أحد أقوى الحلفاء الإستراتيجيين للولايات المتحدة في المنطقة، سياسياً وعسكرياً واقتصاديا. الزعماء العرب وفي مقدمتهم السعوديون استوعبوا الدرس جيداً من تقديم تنازلات للطرف الإسرائيلي لإغرائه بتقديم استحقاقات السلام. بالذات لم يبق بحوزة الفلسطينيين، ومن قبلهم المصريين، من شيء تقريباً إلا وقدموه قرباناً على مذبح السلام المنشود أو المأمول مع إسرائيل.
تولّي اليمين الإسرائيلي المتطرف مقاليد الحكم والقرار يزيد من عبثية أي تحرك عربي باتجاه إقامة سلام مع إسرائيل. مفهوم السلام مع العرب عند مجموعة «نتانياهو ـ ليبرمان» ليس أكثر من نكتة هزلية ثمة مؤلمة. الدعم والتفهم الأميركيان لوجهة النظر الإسرائيلية المتطرفة يزيدان الأمور تعقيداً.
أميركا الآن بحاجة أكثر من أي وقت مضى لإسرائيل لكبح جماح الدولة الإيرانية. هذه الأخيرة برزت كقوة إقليمية عظمى تهدد بشكل تلقائي الهيبة والمصالح الأميركية في المنطقة، والعالم. التطبيع العربي مع إسرائيل الآن تمليه ظروف إقليمية بعيدة عن جوهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي المباشر.
لذلك يبدو الطلب الأميركي الإسرائيلي من العرب بضرورة البدء بالتطبيع ليس أكثر من هرطقة غير ذات جدوى على طريق السلام المنشود. هذا مع ما يتبع ذلك من خضوع عربي أكثر للإملاءات والشروط وحتى النزوات الإسرائيلية والغربية، ودون مقابل على أرض الواقع.
جامعة الإمارات