في الوقت الذي كان فيه الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس الشورى لولاية ثانية مدتها أربع سنوات، قاطع رموز المعارضة حفلة التنصيب هذه، ولاسيما أن المرشحين الخاسرين مير حسين موسوي ومهدي كروبي يرفضان نتائج الاقتراع متذرعين بعمليات غش، وكذلك الرئيسان السابقان: علي أكبر هاشمي رفسنجاني ممثل طبقة تجار البازار وكبار الملاك، ورئيس مجلسي الخبراء وتشخيص مصلحة النظام، الذي حذر مؤخراً من «التوجهات التسلطية» للنظام، والإصلاحي محمد خاتمي الذي يتبنى فهماً للدين والحكومة يتعارض جوهرياً مع الأيديولوجيا التيوقراطية للمحافظين. وهي المرة الأولى التي يغيب فيها الرئيسان السابقان عن احتفال كهذا.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي أعلنوا أنهم لن يرسلوا برقيات تهنئة إلى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لمناسبة بدء ولايته الثانية. وتعتقد الدول الغربية أن أزمة الانتخابات الأخيرة وتداعياتها الكبيرة أضعفت النظام الإيراني، حيث كانت شعبية الرئيس نجاد السياسية تستند إلى عداوته الشعبوية للغرب، ولما يعتبره فساد رجال الدين وعائلاتهم، وإلى موقفه القوي من مسألة البرنامج النووي الإيراني الذي يشكل إجماعاً قومياً.

في السابق كان الحوار بين الإيرانيين والدول الغربية يقوم على أساس المقايضة بين ملفات إقليمية كبرى، كالضغط على الغرب للاعتراف بحركات المقاومة في فلسطين ولبنان مقابل خطوات إيجابية في الملف النووي الإيراني. أما في مرحلة ما بعد أزمة الانتخابات الرئاسية، فإن الدول الغربية تقر معادلة جديدة: في مقابل الاعتراف بالرئيس المنتخب أحمدي نجاد على إيران أن تقوم بخطوات إيجابية في ملفها النووي.

وهذا ما جعل الرئيس نجاد يلقي خطاباً نارياً ضد الغرب في حفلة التنصيب، إذ قال: «الشعب الإيراني لا يولي أي أهمية، لا إلى غضبكم واستيائكم، ولا إلى تهانيكم وابتساماتكم».

تشكل الجبهة الاقتصادية إحدى تحديات المرحلة المقبلة للرئيس نجاد، الذي أخفق في ولايته الأولى في وضع حد لتنامي البطالة، وعدم المساواة الاجتماعية في إيران، اللذين يغذيان غضب قسم كبير من السكان الذين يعانون من صعوبات الحياة اليومية التي ترهق كاهلهم وتغذي التوترات السياسية.

هل من المتوقع في ظل الرئيس الجديد أحمدي نجاد، وبعد أن أحكم المحافظون قبضتهم على زمام السلطة في إيران، أن تشهد العلاقات الإيرانية ـ الأميركية توترات أكبر، وبالتالي حدوث مواجهة بين أيديولوجيا المحافظين الذين يشعرون بالحنين إلى الثورة الإسلامية وبين الأميركيين؟.

ما هو مؤكد أن صبر إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن الملف النووي الإيراني ليس «...عملية مفتوحة بلا نهاية». ومع أن اجتياحاً عسكرياً لإيران لا يبدو وارداً مرحلياً على الأقل، رغم دفع إسرائيل في الاتجاه العسكري، فإن الضغط الأميركي على إيران، يذهب في اتجاه فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران إذا لم تستجب للدعوة إلى التفاوض بشأن برنامجها النووي، ومنها خفض صادرات البنزين والمشتقات النفطية الأخرى. وقالت صحيفة «النيويورك تايمز»: إن خيار العمل ضد شركات من مختلف أنحاء العالم تزود إيران نحو 40 في المئة من منتجات البنزين نوقش مع إسرائيل خلال زيارة مستشار الأمن القومي جيمس جونس الأخيرة لتل أبيب.

ويعتقد المحللون المعنيون بالشؤون الإيرانية، أنه إذا كان متوقعاً أن تشهد إيران تحولاً في علاقاتها الخارجية، فإن هذا التحول لن يسير في اتجاه التصعيد وفتح جبهات صدام، مع ضرورة التنبه إلى الملفات الحساسة ومنها «الملف النووي» و«العلاقات مع أميركا»، التي تتجاوز الرئيس نجاد الذي أصبح وضعه ضعيفاً، وتدار من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية.

بيد أن علاقات إيران مع المحيط العربي ستأخذ أولوية خاصة. فنجاد بنزعته الإسلامية يريد حدوث تكتل إسلامي يدعم المشروع الذي طرحته إيران من قبل والخاص بإقامة «شرق أوسط إسلامي»، ومن ثم سيسعى لتقديم بعض التنازلات لجيرانه من أجل إقامة هذا التكتل الذي يضعف من تأثير واشنطن في المنطقة ويعزز المصالح الإقليمية الإيرانية.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org