الجهة قطب تنموي هام، هكذا أرادها رئيس الدولة قبل خمس سنوات، وهو هدف ضمّنه في برنامجه الانتخابي لتونس الغد، تعميقا لايمانه بالتنمية الجهوية وسعيه الكبير لمعالجة اختلال التوازن بين الجهات الموروث عن العهد السابق، والذي خلّف للبلاد مشاكل اجتماعية واقتصادية وتفاوتا في نسق التنمية والرفاه الاجتماعي.
وإذا كانت الجهات الداخلية، وأساسا الغربية منها، استفادت خلال العقدين الاخيرين بزخم هام من الاجراءات والقرارات التي غيّرت وجهها وقضت على نقاط الظل فيها ودفعت نسق التنمية بها، وحسّنت من اسهامها في خلق الثروة الوطنية، فإنها تبقى بحاجة الى تصورات واستراتيجيات جديدة تطوّر دورها في تحقيق الأهداف التنموية ولا شك أن قرار رئيس الدولة الأخير باعطاء الجهات مسؤولية ضبط أولويات التنمية بها ودفع المبادرة الخاصة ونسق احداث المؤسسات وتصوّر برامج معالجة البطالة، سيعطيها أجنحة اضافية للتحليق عاليا.
فالتنمية الجهوية لا تحقق أغراضها وأهدافها كاملة إذا كانت تصورات دفعها نتاج عمل مكاتب على المستوى المركزي، مهما كانت أهمية الدراسات والتشخيصات والعمل الاستشرافي، التي تبقى في الغالب قاصرة أو غير كافية.
وليس أفضل من الانطلاق من رؤى وأفكار أبناء الجهة المقيمين بها العارفين لخصوصياتها واحتياجاتها ونواقصها وما يتوفر بها من موارد طبيعية وبشرية وما يتلاءم معها من مشاريع ومبادرات اقتصادية.
لكن المسؤولية تتطلّب عملا دؤوبا وتظافر جهود كل المتدخلين المطالبين بوضع أفكار مشاريع قابلة للتجسيم لا يمكن ان تعرقلها مشاكل تمويل او تسويق أو تصدير.
المسؤولية تفرض على الهياكل الجهوية التابعة لمنظمات الاعراف والفلاحين والشغالين وهياكل الدعم والمصاحبة وضع استراتيجيات مشتركة لتسويق الجهة والتعريف بفرص الاستثمار ومناخ الأعمال بها لاستقطاب المستثمرين في الداخل والخارج واغرائهم باقامة مشاريع بها دون انتظار الجهود المتأتية من فوق.
وتكاد الجهات التونسية تفتقد الى مواقع واب تعرّف بها وبالامتيازات التي تتوفر بها والتي يمكن أن تكون منطلقا لاقامة مشاريع تخلق مواطن الشغل لابنائها، اضافة الى ضعف استغلالها للملتقيات التي تقام وطنيا وخارجيا للالتقاء بالباعثين والمستثمرين وأصحاب القرار الاقتصادي.
وإذا توفقت الجهات في هذا المسعى فإنها ستنجح في تحقيق تنميتها والمساهمة بالتالي في تحقيق الأهداف الوطنية دون أن تنتظر ان تأتيها الحلول والمساعدات من خارجها.
