في الوقت الذي ينشغل فيه صناع السياسة والاقتصاد في العالم بالأزمة الاقتصادية العالمية، وسط تضارب الأقوال حول نهايتها. وإمكانية الخروج منها بحيث لا تتكرر مرة أخرى. تبرز مشكلات أخرى ملحة لا يتلفت إليها كثير إلا في حدود المختصين، ومن أبرزها المشكلات البيئية التي باتت تشكل خطرا على مستقبل الكائن البشري على كوكب الأرض.
وخلال قرن تغيرت الأرض كثيرا بفعل التحول الصناعي والسيارات والكثير من الممارسات الإنسانية التي تفتقد للالتزام تجاه كوكبنا، الأمر الذي تولدت عنه قضايا لم تكن مطروحة قبل قرون في تاريخ العالم.
يتحدث العلماء الآن عن ارتفاع حرارة الأرض بمعدلات مثيرة للقلق، ويشيرون إلى معلومات مخيفة في هذا الشأن فيما يتعلق بذوبان المناطق الجليدية حول العالم، وهو مؤشر يدل على حجم هذا التحول الذي يحدث في الأرض والذي لم يسمع به الآباء ولا الأجداد، عندما كانت سبل وطرق الإنتاج الزراعي والصناعي تتم في توافق تام مع المحيط البيئي، وهو الأمر الذي تغير كثيرا بقيام الثورة الصناعية في أوروبا وما تبعها من حركة تجاه استغلال موارد الأرض بشكل مبالغ فيه انعكس سلبا على مجمل أوجه حياة الإنسان المعاصر.
يتحدث الآن العلماء عما يسمونه "الصناعة الخضراء" وهو مفهوم يحاول رد الاعتبار إلى البيئة التي ظلمت كثيرا في العقود الأخيرة، وذلك عبر تضامن عالمي يقوم على خطط علمية واضحة الملامح، وفي هذا الإطار تأتي جهود منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "اليونيدو"، التي ترغب في وضع استراتيجية عالمية تلزم المصنعين بالانتباه أكثر إلى أن تكون صناعاتهم صديقة للبيئة.
وقد ذكرت "اليونيدو" في بيان نشرته على الانترنت ان النمو الاقتصادي ساهم في رفع الملايين من الفقر، ولكن هذا النمو المتسارع نفسه هو الذي وسع المناطق الحضرية وزاد معدلات استهلاك الطاقة وأدى إلى تناقص الموارد الطبيعية. ويأتي ذلك على خلفية تزايد معدل انبعاث الغازات والاشعاعات مما يرفع من وتيرة المخاطر الاجتماعية ويهدد المكاسب الاقتصادية.
ومن هذا ندرك تماما التقاطعات الواضحة لقضايا البيئة مع مستقبل الاقتصاد العالمي ومع البنى الاجتماعية سواء في الدول المتطورة أو النامية، وهنا يتم اقتراح حلول تصب في تشجيع قيام اقتصاديات جديدة تضع اعتبارا لتقليل انبعاث الكربون وحماية البيئة والبحث عن السبل الكفلية لخفض تكلفة الإنتاج.
ومن الحلول التي تقترحها الدول ما يعرف بمشاريع خفض الانبعاثات الكربونية والتي تحولت إلى تجارة عالمية، لاسيما في الولايات المتحدة وأوروبا وقد وصلت أرباح هذا السوق في العام الماضي إلى 7.5 مليون دولار، ولا تزال في تزايد مستمر في ظل رغبة الكثير من المستثمرين في دخول هذا المجال الحيوي الذي يقوم على مشروعات زراعية هدفها خفض الانبعاثات.
ويقول بعض الخبراء إن المشاريع التي تمتص الكربون أصبحت ذات أهمية متزايدة لأن العالم غير قادر على خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري من وسائل الحياة الجديدة كمحطات الكهرباء والطائرات والسيارات وبالطبع المصانع. في الوقت نفسه ثمة من يشكك في مستقبل هذه الصناعة بقوله ما هي إلا مجرد خدعة، كما تذهب جماعات السلام الأخضر "جرينبيس" التي ترى إنه من خلال استغلال المشاريع التي تحقق توازنا مع انبعاثات الكربون "ستتمكن الصناعات من التحايل على خفض الانبعاثات.
إنها تتيح الإفلات من العقوبة مجانا." وبغض النظر عن هذا الجدل فإن مستقبل الكوكب مرهون بأيدي صناع القرار في السياسة والاقتصاد الذين بإمكانهم ترجمة الرؤى والدراسات التي يطرحها العلماء إلى قواعد فاعلة يمكنها إنقاذ الأرض فعليا ببلورة ما يطلق عليه "الاقتصاد الجديد" وهو اقتصاد صديق للبيئة كما يعرفه العلماء، يعطي الإنسانية ويهبها سلامتها قبل أن يقدم منتجات تخصم من رصيد مستقبل الإنسان على كوكب الأرض.
