بالأمس يمر عام على المغامرة الطائشة التي قام بها نظام الرئيس الجورجي الشاب ميخائيل ساكاشفيلي المدعوم من واشنطن وإسرائيل وما شابههما، حيث أمر قواته بالإغارة على مدينة تسخينفال الصغيرة في جمهورية أوسيتيا الجنوبية، وقتل المئات من المدنيين العزل من النساء والأطفال والشيوخ، ولولا التدخل السريع والحاسم للقوات الروسية لوصل الأمر لإبادة شعب الجمهورية الصغيرة كلهم، وهذا ما شهدت به وسائل الإعلام، وما شهد به الاتحاد الأوروبي نفسه الذي أدان تصرفات ساكاشفيلي وقرر مقاطعته ورفض دعوته لحضور لقاء الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بينما وجه الدعوة لصديقه وحليفه الوحيد في المنطقة رئيس أوكرانيا فيكتور يوشينكو، وكلا النظامين يكنان عداءً وكراهية واضحة لروسيا مدعومة بمخططات واشنطن التي أتت بهما للحكم من خلال الثورتين الملونتين، الوردية في جورجيا عام 2003 والبرتقالية في أوكرانيا عام 2004.
هذه الأنظمة التي تصنعها واشنطن وتفرضها على شعوبها لا تقدم لهذه الشعوب أي خير أو فائدة، والدليل على ذلك أن اقتصاد كل من أوكرانيا وجورجيا هو الأدنى في المستوى بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وكلاهما يعتمد على روسيا ويطلب منها المساعدة في ظروف الأزمة.
الآن بعد عام من هذه الحرب الطائشة يبدو أن الرئيس الجورجي لم يتعلم الدرس جيداً، فها هو مرة ثانية يعد العدة لخوض حرب جديدة، ونسمع عن تحرشات عسكرية على الحدود بين جورجيا والجمهوريتين الصغيرتين المجاورتين لها أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، واللتان أعلنتا استقلالهما بعد الحرب الماضية.
واعترفت روسيا ودول أخرى بهذا الاستقلال بينما رفضته دول أخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة التي اعتادت دائماً أن تعترف باستقلال أي جزء من الكل، لكنها هذه المرة ترفض الاعتراف لأنه ليس في مصلحتها ولا في مصلحة حليفتها جورجيا.
لم يتردد ساكاشفيلي في طلب السلاح من واشنطن أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن لجورجيا منذ أيام، وسمعنا أوساط داخل الكونجرس الأميركي تدعم ساكاشفيلي رغم مغامراته الطائشة، والبعض يرى أن دعم واشنطن لنظام ساكاشفيلي لا يهدف فقط التحرش بروسيا ومضايقتها بل أيضاً يهدف لإعداد جورجيا لمخططات استراتيجية قادمة، منها استخدام جورجيا كقاعدة لضرب إيران.
القضية هنا قضية أنظمة لا تؤمن إلا بمصالحها الشخصية ولا تعير أية أهمية لمصالح شعوبها وجيرانها، وأيضاً قضية سياسة أميركية خارجية تقول شيء وتفعل أشياء أخرى، ففي الوقت الذي يزور فيه الرئيس أوباما موسكو ويصرح بأنه يسعى لتحسين العلاقات معها وتجاوز الخلافات القائمة بينهما، نجد نائبه بعد أيام قليلة يزور جورجيا ويوجه من عاصمتها تبليسي انتقادات لروسيا متهماً إياها بالتدخل في شؤون جيرانها، رغم أن موقف روسيا واضح تماماً في أن تدخلها إنما هو حماية للضعفاء في مواجهة الأقوياء، والدليل على ذلك أن موسكو بعد دحرها للغزو الجورجي ومطاردة قواتها للقوات الجورجية داخل الأراضي الجورجية واقترابها من العاصمة تبليسي، لم تمس أي مدنيين ولم تقصف أية سكنات مدنية واستجابت على الفور لمطالب الأوروبيين وانسحبت من الأراضي الجورجية بعد أيام قليلة من دخولها هناك.
الرئيس ساكاشفيلي لم يتعلم الدرس، ويصمم على الدخول في مغامرة طائشة أخرى نعتقد أنها ستكون النهاية له ولنظامه الذي يفضل مصالح واشنطن على مصالح شعبه.