عندما تعيد تصحيح كلماتك مرة تلو أخرى في فترة وجيزة، فهذا معناه انك في حيرة من أمرك. التقطت الصحف البريطانية هذه الحيرة التي أصابت الإدارة الأميركية ولا تزال حيال موقفها من إيران.
فالمتحدث باسم البيت الأبيض روبرت جيبس استخدم في يومين عبارتين للحديث عن الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد أو بالأصح بمناسبة حفل تنصيبه عندما وصفه في أمس الأول بأنه «رئيس منتخب» وعاد في اليوم التالي ليصحح عبارته بالقول «بغض النظر عن نزاهة الانتخابات، فسنترك (الشعب الإيراني يقرر ماذا حدث». (التايمز ـ 6 أغسطس).
الأمر نفسه ينسحب على الأوروبيين الذين لم يرسل قادتهم برقيات تهنئة لنجاد، لكن سفراءهم كانوا حاضرين مراسم تنصيبه.
إنها السياسة حتما، ترك الأبواب نصف مفتوحة، العصا والجزرة، الحوافز والعقوبات وهكذا، لكن يبدو أن فرص أنصاف الحلول بدأت تضيق، لأن ثمة من هو قلق كثيرا من هذا التردد الغربي حيال إيران. إنها إسرائيل.
فقبل عشرة أيام، أظهرت إسرائيل علامة أخرى من علامات نفاذ الصبر عندما انتقدت تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون حول استعداد واشنطن لتوفير مظلة دفاعية لحلفائها في منطقة الخليج في حال استمرار إيران في أنشطتها النووية. فالإسرائيليون قرأوا هذه التصريحات باعتبارها إقرارا أميركيا ضمنيا بان إيران قد امتلكت أو على وشك أن تمتلك أسلحة نووية.
فوزير الاستخبارات الإسرائيلي دان ميريدور انتقد تصريحات كلينتون قائلا «استمعت من دون حماسة إلى التصريحات الأميركية ومفادها أن الولايات المتحدة ستدافع عن حلفائها في حال استخدمت إيران السلاح النووي، وكأنها استسلمت فعلا لهذا الاحتمال». وأضاف «هذا خطأ». «لا نستطيع التصرف الآن على افتراض أن إيران ستكون قادرة على تسليح نفسها بسلاح نووي، لكن يجب العمل على منع ذلك الاحتمال». (المصدر السابق).
لم يعد الأمر سرا، فالإسرائيليون يلحون على ضربة استباقي لإيران منذ زمن طويل، لكن لعبة الشد والانتظار لاتزال مستمرة مع واشنطن. وفي يوليو الماضي أيضا، كان جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي قد أثار بتصريحات أدلى بها في تل أبيب العاصفة نفسها من التكهنات والقلق عندما أعلن أن واشنطن لن تمانع إذا قامت إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لإيران مؤكدا أن إسرائيل لها حق سيادي فيما تراه لصالحها.
كانت تلك رسالة غير رسمية من واشنطن لإيران، لأن تصريحات بايدن لم تكن متفقا عليها وفق ما تردد وقتها، لكن أيا كان الأمر، فالرسالة وصلت للإيرانيين الذين يجيدون اللعبة نفسها: إرسال الرسالة ونفيها بعد أيام.
لكن ثمة عنصر استجد في الوضع، فإذا كان التردد حيال إيران هو قدرتها على الرد والأذية، فان الأزمة الداخلية التي تعيشها منذ انتخابات 12 يونيو، أضعفت النظام إلى درجة ملموسة. هذا الضعف يدفع للتساؤل والتردد أيضا: هل يمكن التفاوض مع نظام يعاني متاعب داخلية وضعفا متزايدا؟ المفاوضات ليس هي غاية الإيرانيين، لأنهم سيخسرون الكثير منها لان الحد الأدنى فيها هو وقف نشاطاتهم النووية.
انه وضع اقرب لإملاء الشروط، لكن البديل هو الاستمرار في المواجهة. هذا معناه تصعيد وبناء متواصل للضغوط الغربية على إيران، فمن يريد ذلك؟.
احتجاجات الداخل بالنسبة للقيادات الإيرانية هي الترجمة المباشرة للضغوط الخارجية. ليس هناك من تفسير للمصاعب الداخلية سوى ذلك الرباط الذي يتم التأكيد عليه مع الخارج، لان المعنى الوحيد الباقي لكلا الحالين هو: ضغوط متزايدة.
لكن إلى أي مدى بات الغربيون يأخذون في حسبانهم العنصر المستجد في الوضع الإيراني؟ أي الاحتجاجات التي تخبو لتعود مجددا؟ لا يبدو أن هذا العنصر قد فرض نفسه في التحليل الغربي، لكنه بالتأكيد فرض حالة من الضعف على إيران لم تشهدها منذ قيامها قبل 30 عاما مثلما يقول أمير طاهري في مقاله «بايدن وسيناريو ضرب إيران» في الشرق الأوسط 10 يوليو.
يرى طاهري في مقاله ذاك أن احد أولى ثمار هذا الضعف أن توجيه ضربة عسكرية لإيران كان «حتى وقت يقارب شهرا أو نحو شهر، كان القليل يفكرون في هذا الأمر.. لكن معظمهم كانوا يعتقدون أنه غير قابل للتفكير. والآن، فقد تبدلت الحال، فأصبح يبدو أن الكثيرين يفكرون فيه، ولا يعتقد أحد أنه غير قابل للتفكير». وفق طاهري.
لكن طاهري يتساءل: «.. لماذا يجب على إسرائيل المخاطرة بإعادة توحيد الطبقة الخمينية الحاكمة، وربما جمع الأمة الإيرانية كلها خلف هذه الطبقة من خلال شن هجوم، قد لا يضمن إنهاء المشروع النووي المثير للجدل؟».
من جديد أمام المسألة التي لا يعرفها الغربيون والكثيرون جيدا عن الإيرانيين: أيا كان النظام الذي يحكمهم لا يقبلون الضغوط الخارجية ولا الامتلاءات، لا يتعلق الأمر بهذا النظام أو غيره، فإذا كان التاريخ قد اثبت شيئا فقد اثبت أن التدخل الخارجي يوحد الإيرانيين.
لكن لدى الإسرائيليين هواجس وجودية أكثر أهمية بما لا يقاس مع البرنامج النووي الإيراني، إنها الاستحقاقات التي تأخرت إسرائيل كثيرا في الالتزام بها، استحقاقات الأرض والاحتلال. استحقاقات سلام تلكأ الإسرائيليون في دفعها، وهم أكثر من غيرهم بحاجة إلى عدو يوحدهم أيضا وليس أفضل من إيران التي أعلن رئيسها ذات يوم أن إسرائيل يجب أن تزول من الخارطة.
كاتب صحافي بحريني
