بغض النظر عما اشتهر به السياسي اللبناني وليد جنبلاط من انقلابات مفاجئة في المواقف والتحالفات، فالذي لا شك فيه أن الرجل يملك قدرة كبيرة على رصد السياسات وتوقع التحولات وتكييف مواقفه تبعاً لتوقعاته. وإذا كانت حساباته قد أخفقت كثيراً في السنوات القليلة الماضية فلأن الكثير من التحولات في السياسات التي راهن عليها كانت أكبر من توقعاته ومن توقعات غيره من المراقبين.

فالرهان على سقوط النظام السوري كان مرتبطاً بسياسة أميركية حازمة في هذا الشأن انتهت الآن إلى ما نراه من إقامة جسور لعلاقات جيدة رغم استمرار الضغوط وإجراءات الحصار الأميركي وإن خفت مظاهره وآثاره كثيراً.

والرهان على تغيير المعادلة داخل لبنان لصالح الالتحاق بالمشروع الأميركي بالمنطقة سقط سقوطاً ذريعاً بعد سقوط المشروع الأميركي نفسه. والتحالف مع تيار يضم من كان تاريخياً مع انعزال لبنان عن عروبته (كالقوات اللبنانية) لم يعد مقبولاً بعد أن أصبح واضحاً أن «عروبة» لبنان ـ خاصة بعد حل المشكلات المعلقة مع سوريا ـ هي السياج الذي يحميه من تدخلات قوى إقليمية باسم الدين، أو الشرق أوسطية، أو التسويات الإقليمية الذي يخشى لبنان أن يدفع أكبر فواتيرها!!.

أخفق الكثير من رهانات جنبلاط لأن التحولات في سياسات القوى الدولية والإقليمية كانت أسرع وأعمق من كل التوقعات، ولأن بعض حلفائه كانوا يلعبون بمنطق الميليشيات وليس الأحزاب أو القوى السياسة، ولأن من راهن منهم على أن تخلصه إسرائيل من منافسيه على الساحة اللبنانية تلقوا صفعة مدوية بالفشل الإسرائيلي في عدوان 2006. ولكني أظن أن اللحظة الفاصلة في تغيير المسار عند جنبلاط كانت في أحداث 7 مايو في بيروت ثم امتدادها إلى الشوف ومناطق أخرى.

هنا كان شبح الحرب الأهلية بين السنة والشيعة، وهنا كان الدروز سيوضعون في قلب المحنة. وكان لافتاً يومها السرعة التي تحرك بها جنبلاط بمد يده لمنافسيه وخصومه لحقن الدماء في الشوف معترفاً بالهزيمة في المعركة التي تورط فيها! ويظهر ما جري بعد ذلك أن جنبلاط شعر يومها بالذنب والخديعة معاً.

فهو الذي قاد الأمور إلى التصعيد مع حزب الله بالإصرار على صدور المراسيم الوزارية التي كانت سبب الأزمة، ولكنه فيما يبدو لم يكن يدرك الأبعاد الكاملة لما يجري إعداده من وراء ظهره والذي أدى إلى وضع لبنان أمام احتمال كارثة الحرب الأهلية بين السنة والشيعة والتي أمكن تطويقها ولكنها تركت آثارها ولاتزال حتى اليوم.

ومن اللافت في جملة التصريحات التي سبقت قنبلة جنبلاط السياسية الأخيرة، ما جاء في أحد تصريحاته عن خطورة أحداث 7 مايو، حيث تحدث عن تحركات للطرف الآخر سبقت لجوء حزب الله، وتمثلت في استقدام ألف عنصر مقاتل من خارج بيروت قبل اندلاع الصدام!! ومن اللافت أيضاً أن حديثه هذا لم يحّمل فيه المسؤولية لتيار المستقبل وسنة بيروت أو شيعتها، بل أظهر افتراقه عن نهج أطراف أخرى في 14 آذار ، حيث يبدو أنه يحمل بعضها (وخاصة جعجع وأنصاره) مسؤولية أساسية في محاولة استمرار التباعد بين تيار المستقبل (ممثلاً للسنة) وبين أمل وحزب الله (ممثلين للشيعة) من أجل مصالح خاصة لا تخدم لبنان!!.

ومن هنا استبق جنبلاط قنبلته السياسية الأخيرة التي أعلن فيها الافتراق عن 14 آذار، بحديث عن تحالف رباعي اقترحه بين أمل وحزب الله مع تيار المستقبل وجبهة جنبلاط. وقد لقي هذا الاقتراح هجوماً كبيراً من أطراف مسيحية خاصة داخل 14 آذار على اعتبار انه تكريس للانقسام الطائفي الإسلامي ـ المسيحي. لكن الأمر لم يكن كذلك عند جنبلاط، بل كان خطوة واجبة لترميم العلاقات بين السنة والشيعة، تمهيداً لتحالف أكبر يمكن أن يضم الجنرال عون.

وليس واضحاً بعد ما إذا كان التحرك الأخير لجنبلاط والضربة القاتلة التي وجهها إلى تحالف 14 آذار هي خطوة على الطريق الذي أشرنا إليه حتى ولو على درجات تبدأ بالتنسيق مع الرئيس اللبناني سليمان والرئيس بري.. أم أنها ستؤجل اللقاء بين تيار المستقبل والأطراف الشيعية.

ولكن المهم أن بين الأسباب الكثيرة التي قيلت في تبرير الموقف الجديد لجنبلاط، ينبغي أن نقف طويلاً عند مراجعة جنبلاط لما كان من اصطفاف طائفي، وتركيزه في الفترة الأخيرة على مد الجسور مع الرئيس بري ثم مع حزب الله وتأكيد انه لا يريد أن يكون ذلك على حساب علاقاته مع الحريري.

ومازال الوقت مبكراً للحكم على ما سيجري من تطورات في لبنان بعد أن اختلطت كل الأوراق، وسيمضي وقت حتى تتشكل التحالفات الجديدة، ولن تنتهي الأسئلة حول ما فعله جنبلاط ودوافعه وتوقيته، ولن يكون السؤال الأهم حول ما جرى من تطورات في المنطقة ومن تغيرات في السياسة الأميركية والإقليمية والمصالحات العربية، ولكن سيكون حول القادم.. وهل الصدامات أو التوافقات المتوقعة تستلزم الحذر من صدامات طائفية واسعة تصاحب حرباً متوقعة أو تكون ثمناً للتوافقات الدولية والإقليمية المرتقبة؟ وهل هذا الخطر بالتحديد هو ما دفع جنبلاط لأن يصطدم الحلفاء والخصوم معاً بموقفه الأخير؟

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com