لماذا قرر الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الخروج من الصف الأميركي في لبنان؟.
علينا أن نستذكر أولا أن وليد جنبلاط ليس شخصية ايديولوجية كما كان والده كمال جنبلاط وإنما هو سياسي يلعب بالبيضة والحجر. وللإنصاف يجب أن نقر بأنه يجيد فن معرفة اتجاهات الرياح.. وبالتالي فإنه ينتقل من موقف ما إلى موقف آخر مناقض. خلال الفصول الأخيرة للحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) كانت ميليشيا الدروز بقيادة جنبلاط الصغير تقاتل ميليشيا «الكتائب» المارونية الموالية لإسرائيل انطلاقا من علاقة تحالفية درزية مع سوريا.
لكن بعد الحرب اختلف الأمر. فقد اختار جنبلاط لحزبه أن يكون حليفا محليا مباشرا للولايات المتحدة.. وبالتالي حليفا غير مباشر لإسرائيل. ورويدا صار الزعيم الدرزي عدوا صريحا لدمشق متخذا موقفا أماميا في مناوأة الوجود السوري العسكري على الأرض اللبنانية.. الأمر الذي انتهى به إلى صدام مباشر مع المقاومة الوطنية المسلحة ضد إسرائيل التي يمثلها «حزب الله».
هذا التحول الدرزي كان يتفاعل على خلفية تعاظم وتمدد السطوة الأميركية في المنطقة على نحو لم يعرف من قبل. تلك كانت الفترة التي شهدت حرب الخليج ضد العراق ودخول القضية الفلسطينية مرحلة أوسلو وحملة الغزو الأميركي المباشر التي أطاحت بنظام صدام حسين.. ومن ثم تحول الغزو إلى حالة احتلال كامل للعراق.
الآن يتخذ جنبلاط استدارة كاملة وعلنية متحللا تماما من الارتباط بالأجندة الأميركية. لماذا؟
في ظل التدهور الاقتصادي الشامل في الولايات المتحدة تتراجع السطوة الأميركية.. ليس فقط في لبنان وإنما على المستوى العالمي بأسره. ويبدو أن جنبلاط أدرك مرة أخرى اتجاه الرياح.
مؤشرات التدهور الدولي الأميركي تزداد وضوحا مع مرور الأيام.
لقد نأت واشنطن بنفسها عندما شنت روسيا في أغسطس من العام الماضي حربا مكشوفة ضد جورجيا، مستهدفة نظام حكم موالٍ لأميركا. وتوقفت إدارة أوباما عن ممارسة ضغوطها على كوريا الشمالية وترسانتها النووية متراجعة أمام صمود القيادة الكورية.
ورفض أوباما التجاوب مع أقلية الإيغور في إقليم سنكيانغ الصيني حين طلب قادتها تدخلا أميركيا في وجه قمع صيني. ومؤخرا أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنها تقوم بمراجعة السياسة الأميركية تجاه السودان للنظر في احتمال رفع العقوبات الأميركية عنه. لابد أن نفترض أن جنبلاط رصد هذه التطورات جيدا. لكن ما اجتذب انتباهه حقا كما يبدو هو توجه واشنطن نحو تحسين علاقتها مع سوريا.