بغض النظر عمّـا تُسرّبه الأوساط الإسرائيلية من تفاهمات أو خلافات مع الإدارة الأميركية حول الاستيطان، فإن الحقيقة أخذت تتضح أكثر من السابق، وهي أن واشنطن تريد اختراقاً في الموقف العربي في مسألة محددة وترك المسائل الأخرى معلقة وفق المزاج الإسرائيلي وليس وفق مرجعيات السلام واستحقاقاته.

في البداية وفور تسلم الرئيس باراك أوباما مهامه في البيت الأبيض حاول تسويق مقولات ورغبات مبهمة عن السلام الشامل وعن ضرورات النهوض بالمنطقة وطي صفحة الماضي لسياسة الإدارة السابقة وما إلى ذلك من ايحاءات، استبشر البعض بها خيراً.. لكن الذي جرى خلال الأشهر الماضية لم يكشف إلا عن محاولات أميركية لجعل مجرد الحصول على وعد إسرائيلي أو كما قيل بالأمس وديعة إسرائيلية لتجميد عمليات الاستيطان لمدة عام، انجازاً عظيماً يحتاج إلى ترحيب عربي واسع وتطبيع عربي مع إسرائيل التي قدمت «بادرة حسن نية»! ‏

والواضح تماماً أن فخاً آخر يُراد نصبه للعرب، وأن الطرح الأميركي ليس بريئاً كما يُصدّر إعلامياً، إذ كيف تريد الإدارة الأميركية تحويل مجرد تجميد الاستيطان إلى قضية القضايا مع أن الاستيطان هو جزء من المشكلة وليس كلها؟ ‏

ثم إن التلاعب بالألفاظ حول تجميد البناء وترك ماهو قائم منه في الضفة الغربية والقدس بشكل خاص يعني أن شيئاً من طبيعة الاحتلال الاسرائيلي لن يتغير وأن ثمة من يريد تثبيت الاحتلال على ماهو عليه الآن وأنه ليس بوارد معالجة المشكلة من جذورها، وهي هنا تعني أن الاستيطان كله غير شرعي وأن الضفة الغربية كلها واقعة تحت الاحتلال بما فيها القدس، وليس لإسرائيل أي حق بالتصرف بشبر من هذه الأرض الفلسطينية، للاستيطان ولغير الاستيطان. ‏

ثم إن جدية التحرك الأميركي باتجاه المنطقة يُفترض أن تكتسب المصداقية، أي ألا تضع الإدارة الأميركية نُصب أعينها الرغبات الاسرائيلية والمزاج الإسرائيلي العنصري، ومساومة صاحب الحق والأرض على تسليم مصيره وقضيته مسبقاً، بل يُفترض بالإدارة الأميركية أن تبني تحركها على عملية السلام كلها وليس على تجزئتها وتفريعها الى متاهات ومنزلقات جديدة.

فالسلام لايمكن أن يتحقق إلا إذا كان عادلاً وشاملاً وقائماً على قرارات الشرعية الدولية ومبدأ مؤتمر مدريد وكل حديث أو تحرك سيظل منقوصاً ويُراد منه إضاعة الوقت لمصلحة الاحتلال الاسرائيلي اذا لم يأخذ بالاعتبار مسبقاً هذا المنطق القانوني والاخلاقي في معالجته لقضايا المنطقة. ‏