خلال نصف عام شهدت القارة الأفريقية ثلاث زيارات مهمة لرؤساء كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين. ففي الشهر الماضي زار الرئيس الأميركي باراك أوباما ليوم واحد دولة غانا، وكان الرئيس الصيني هو جين تاو قد قام في فبراير الماضي بجولة في عدد من الدول الأفريقية زار خلالها مالي والسنغال وتنزانيا وموريشيوس، وفي يونيو قام الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف بزيارة مصر وناميبيا وانجولا ونيجيريا.والدولتان الأخيرتان هما اكبر منتجتين للنفط في افريقيا، وقد أشار الرئيس الروسي بوضوح إلى أن بلاده لن تقف متفرجة.

الآن تقوم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بجولة في عدد من البلدان الأفريقية امتداد لزيارة أوباما السريعة، وسط أطروحات تتحدث عن رغبة بلادها في تعميق الأواصر مع أفريقيا لأهداف تبدو تجارية واقتصادية في المقام الأول، خاصة بعد أن أثبتت السنوات الماضية الفاعلية الصينية في تحرك محموم داخل القارة السمراء بحثا عن استثمارات وأسواق جديدة، حيث تشير التقارير بوضوح إلى أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة لتكون أكبر شريك اقتصادي للأفارقة.

ويرى مراقبون أن سبب التفوق الصيني والآسيوي في أفريقيا لاسيما في السنة الماضية يرجع إلى أن الشركات الأميركية والأوروبية عموما تأثرت إلى حد بعيد بالأزمة الاقتصادية العالمية، الأمر الذي دفع الكثير منها إلى التخلي عن أسواقها في القارة الأفريقية.

ورغم الجهود الأميركية للانفتاح الاقتصادي على أفريقيا إلا أن خبراء ومراقبين يرون أن الأثر الطيب الذي أحدثته سياسة أوباما تجاه القارة الأفريقية لن يستمر طويلا، وكما عبر مارتن ديفيز من مؤسسة "فرونتيار ادفايزوري للاستشارات الاستثمارية " أن أوباما أحدث أثرا نوعا ما، لكن هذا يخفت بسرعة كبيرة.

فما يراه الخبراء أن المسألة لا تتعلق بمجرد سياسات وأفكار وإنما خطى عملية وواقعية في التعاطي مع أرض المعاش في شكل مشروعات حقيقة. وفي هذا الجانب تبدو الصين هي الأقرب للمثال والعمل الماثل للعيان من الولايات المتحدة وروسيا.

أيضا تشهد أفريقيا تغيرات على المستوى "الجيواقتصادي"، نتجت عن ميلاد أجيال جديدة شابة في القارة وتغير في مفاهيم الاقتصاد والاستهلاك، وهذا بدوره يلعب محورا هاما في بناء الاستراتيجيات المستقبلية في الاستثمار وطرق عمل الشركات وأنماط العمل نفسها. وإذا لم يوضع هذا الأمر في الاعتبار فسوف تكون النتائج غير طيبة على المدى البعيد. وفي هذا الإطار ربما كانت الصين بحسب المراقبين هي النموذج الأكثر ذكاء في التعامل مع المتغيرات البينية في العقل الأفريقي.

ومن المسائل غير الملحوظة بدرجة كبيرة للمراقبين مسألة الاستثمارات الجديدة التي باتت تدر الأرباح الطائلة، تحديدا مجالات الخدمات والاتصالات، وفي هذا الإطار فإن تحدي أوروبا وأمريكا وروسيا لا يقف عند حدود الصين بل يتعداها إلى دول أخرى ظهرت على المسرح وأبرزها الهند التي تسعى لتوطيد نفسها في هذا الجانب، فعلى سبيل المثال يعد العرض الذي قدمته مؤسسة بهارتي ايرتل بمبلغ 23 مليار دولار للشراكة مع مجموعة "أم.تي،إن" وهي أكبر شركة للمحمول في أفريقيا من حيث عدد المشتركين، أحدث وأكبر مثال على شركة هندية تتحرك في هدوء بالمنطقة كما يوصف المشهد من مراقبين بصناعة الاتصالات.

هذا التسابق المحموم حدا بالولايات المتحدة في عهد الرئيس أوباما أن تعيد النظر في سياستها الاقتصادية في القارة الأفريقية، ولاشك أن ذلك مرتبط بقضايا أخرى مثل الحرب على الإرهاب والمشكلات التي تعاني منها عدد من الدول في مجالات الأمن والرعاية الصحية والتعليم الخ.. وربما كانت المفارقة أن العمل الخيري الأمريكي له وجود واسع النطاق في أفريقيا كما في الأعمال التي تقوم بها مؤسسة جيتس ومليندا الخيرية.

لكن خلاصة المشهد وفقا لما تتجه إليه تقارير المختصين أنه من الصعب لقوة واحدة تسيطر على الموقف سياسيا كان أم اقتصاديا أو ثقافيا، لاسيما في ظل عالم يتغير الآن بسرعة، وفي ظل تغير نظرة صناع السياسة في الدول النامية الذين باتوا يفضلون نهجا يقوم على التعددية في التعاطي مع الشركاء بدلا من سياسة الخيار الواحد التي كانت سمة لعالم قديم.