لم يكن مفاجئا أو مثيرا للدهشة ما شهده مؤتمر حركة التحرير الفلسطينية فتح, المنعقد حاليا في بيت لحم بالضفة الغربية من تسابق لقيادات فتح علي الإشادة بدور مصر بقيادة الرئيس مبارك في القضية الفلسطينية.
ولم يكن هذا الإلحاح علي دور مصر مبعثه دواعي الشكر والامتنان بقدر ما كان الغرض الأساسي هو تأكيد حقائق الأمور وثوابتها.
ومعلوم للجميع أنك عندما تكون في لحظات الخطر والأزمة لابد ان تلجأ إلى حصر ثوابتك ومبادئك الرئيسية وتتمسك بها, بل وتعض عليها بالنواجذ, ومن أهم ثوابت القضية الفلسطينية ـ شاء المغرضون أم أبوا ـ أن مصر كانت وستظل القوة الإقليمية الأحرص والأشد تمسكا بضرورة حل مشكلة الشعب الفلسطيني حلا عادلا شريفا, يحفظ الحقوق ويعيد الأرض.. ولماذا مصر تحديداً هي التي تفعل ذلك؟
ببساطة لأن أمنها القومي يقتضي هذا. مصر لايمكنها التخلي أبدا عن قضية فلسطين, بالضبط كما لايمكنها التخلي أبدا عن القضايا المرتبطة بمياه النيل هذان ـ النيل وفلسطين ـ هما البندان الأهم دائما علي رأس أجندة السياسة الخارجية المصرية.. واقرأوا تاريخ مصر منذ الفراعنة وحتي الآن إن شئتم!
كلمات أبو مازن وزملائه في مركزية فتح أمام المؤتمر كانت حريصة علي تأكيد الثوابت, ومن بينها ان السعي الفلسطيني للسلام مع إسرائيل مستمر ومتواصل, كما ان المقاومة حق مشروع ومكفول ومتاح لكل شعوب الارض لاسترجاع حقوقها, والفلسطينيون ليسوا استثناء من هذه القاعدة.
وكان الثابت الثالث أن مصر وقيادتها السياسية حريصة علي وحدة الصف الفلسطيني وتحقيق المصالحة والاستمرار في رعاية الحوار بين الفصائل للوصول إلى وجهة نظر موحدة فيما يتعلق بحل القضية والاتفاق علي موقف واحد للبدء في الدخول إلى المفاوضات.
والعالمون ببواطن أمور القضية الفلسطينية يعرفون أن المرحلة الحالية في منتهي الأهمية بالنسبة لهذه القضية نظرا لاعتبارين أولهما أن الإدارة الجديدة في واشنطن تبدو مستعدة للتعامل بجدية شديدة مع الحل.
وهو ما استوعبته الحكومة الإسرائيلية وتخشاه وتحاول الالتفاف حوله وإحباطه, والاعتبار الثاني هو ان الوضع الفلسطيني الداخلي في أسوأ ما يكون, ويكفي أن نتابع مجريات مؤتمر بيت لحم, وكيف ان حركة حماس لم تحضر بل ومنعت كوادر فتح في غزة من الحضور. هذان الاعتباران يستوجبان بشدة التدخل المصري, لأن مصر من ناحية لها علاقات متوازنة وواضحة وشفافة مع كل الفصائل, ولها الخبرة والسبق في رعاية الحوار الفلسطيني علي أراضيها.
ومصر من ناحية أخري لها علاقات جيدة ومتوازنة مع الإدارة الاميركية, ومن ثم فمصر وسيط نزيه ومقبول من جميع الأطراف, وهو ما يسهل البدء في مفاوضات حقيقية اعتمادا علي قوة الدفع الموجودة حاليا.
إن ما تتميز به مصر, وهي تتحدث وتعمل لصالح القضية الفلسطينية, هو أنها تمتلك رؤية واضحة قائمة علي خبرات كثيرة في هذا الشأن.
وتقوم هذه الرؤية علي فهم أعمق للواقع الدولي الراهن وفهم أكثر عمقا للإمكانات العربية والفلسطينية, وتعرف مصر أن أول طريق الحل هو توحد الصف الفلسطيني حتي تبطل حجة اسرائيل بعدم وجود شريك فلسطيني للسلام.
ومصر تعرف أيضا أن الشعارات والخطب والكلام العاطفي المعسول يمكنه أن يلهب حماس الجماهير لكنه لا يحقق حلولا علي الارض.
وهكذا فعندما كان المجتمعون في بيت لحم يؤكدون احترامهم للدور المصري, ويطالبون باستمراره, كانت في أذهانهم كل هذه الحقائق والثوابت.
