في كتاب صدر له قبل أسابيع تحت عنوان«فيتنام، الحرب المستحيلة» أوجز «جون برادوس»، أحد أهم الخبراء الأميركيين في تلك الحرب أسباب هزيمة بلاده بان قادة أميركا من ترومان حتى نيكسون قد «تجاهلوا حقائق الواقع الفيتنامي، ولم يبذلوا أي جهد من أجل فهمه وبالتالي من أجل تجنّب نشوب الحرب وتجنّب استعارها أكثر فأكثر بعد نشوبها».
وقبل أيام صدر تقرير عن لجنة العلاقات الخارجية في مجلس العموم البريطاني حول الحرب الدائرة في أفغانستان يقول الشيء نفسه تقريبا. إذ يأسف واضعوه لغياب «رؤية واستراتيجية متناسقتين تعتمدان على وقائع وتاريخ وثقافة الأفغان».
كما ينتقد البرلمانيون الإنجليز ما أسموه «نقص الحساسية الثقافية» لدى بعض ضباط الائتلاف العسكري الدولي، وما عنى في سياق التقرير الضباط الأميركيين بوضوح.
والرأي العام البريطاني يزيد من ضغطه على الحكومة ويعبّر عن تصاعد عدائه لوجود 8000 من جنود بلاده في أفغانستان إلى جانب القوات الأميركية التي تشكّل العصب الرئيسي للقوّة الدولية المنضوية تحت لواء الحلف الأطلسي.
وقد أشار استطلاع للرأي نشرته صحيفة «الاندباندنت» اللندنية مؤخّرا أن 52 بالمائة من البريطانيين يتمنون عودة جنودهم من أفغانستان. للتذكير كانت المظاهرات المناهضة لحرب فيتنام في شوارع المدن الأميركية قد عجّلت من انسحاب الجنود الأميركيين من تلك البلاد وتوقيع معاهدة السلام في باريس عام 1972.
وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أعلن عن موقف مشابه لذلك الذي اتخذه البرلمانيون الإنجليز، لكن بلغة أكثر دبلوماسية. لقد قال في مقابلة له مع صحيفة «لوفيغارو» الباريسية يوم 3 أغسطس ـ آب الجاري ما مفاده: «نحن لا نفرض السلام لكن قد نستطيع خلق الشروط للوصول إليه. وهذا يستدعي التفاهم مع الأفغان».
لم يستثنِ الوزير الفرنسي طالبان، بل على العكس قال بالحرف: «بالطبع ينبغي التفاوض مع طالبان. بكل الأحوال مع أولئك الذين يقبلون إلقاء السلاح منهم». المهم هو الإعلان الصريح عن قبول ما كان مرفوضا حتى الأمس غير البعيد.
ما يتفق حوله الجميع هو أن الجنود الدوليين لم يحققوا «ولو جزئيا، الأهداف التي كانوا حددوها عندما وطئت أقدامهم أرض أفغانستان عام 2001 ولا يزالون فيها حتى اليوم. العكس هو الذي حصل. فهذه القوات تقاتل من موقف التراجع بينما يؤكّد مقاتلو طالبان حضورهم أكثر فأكثر. وشهر يوليو ـ تموز المنصرم كان قد عرف الرقم القياسي المطلق في عدد الضحايا بين جنود الائتلاف الدولي منذ بداية الحرب. ثمّ إن تزايد العنف مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأفغانية أطلق من جديد بقوّة الجدل حول أهداف الحرب.
وواضح أيضاً لكل مراقب أن هناك خللا في تنسيق عمل وحدات القوات الدولية وتشوشا في اتخاذ القرارات وغموضا في تحديد الأهداف. الجنود البريطانيون مثلا في منطقة «هلمند» مكلّفون بمهمات المحافظة على الأمن وقتال طالبان ومكافحة زراعة المخدرات. واليوم الأمن غائب وطالبان أقوى وإنتاج الأفيون تضاعف ثلاث مرّات في هلمند.
البرلمانيون البريطانيون أنفسهم رؤوا في ذلك «خطأ واضح بالتوجّه». وكانت الصحف الفرنسية صريحة في انتقادها لنقص التنسيق بين قوات الائتلاف الدولي ـ الأطلسي عندما فقد 10 جنود فرنسيين حياتهم في مواجهة مع كمين من طالبان في شهر أغسطس ـ آب من العام الماضي 2008. وهناك أصوات ترتفع من جديد في فرنسا ضد هذه الحرب «العبثية» حيث إن من بين ضحايا مواجهات الأسبوع الفائت أحد الجنود الفرنسيين.
وإذا كانت الحرب الأفغانية، مثل الحرب الدائرة على أرض العراق، تلقى معارضة صريحة من قبل الرأي العام في فرنسا وبريطانيا وبدرجات متفاوتة في بقية البلدان الأوروبية فإن السلطات الرسمية تجد نفسها «ممزقة» بين واجب التضامن مع الحليف الأطلسي ـ الأميركي وبين الرأي العام في بلدانها الذي تتضاءل قناعته بصحّة وسلامة قرار التدخّل أصلا، خاصة في ظل النتائج المثيرة للقلق.
تبقى المشكلة ـ المعضلة هي أن القوّات الأطلسية ـ الأميركية ليس لديها أي حل تملك قوّة فرضه. والاستراتيجية التي أعلنها الرئيس اوباما هي قيد الاختبار، ومن المشكوك فيه أن يكون لها أي حظ بالنجاح إذا لم تنطلق من فهم الواقع الأفغاني والتعامل معه بجدّية وفعالية. هكذا تقول دروس التاريخ القريب والبعيد. أمّا الأوروبيون فقلقون ولا يرون وسيلة للخروج من الفخ الأفغاني.
كاتب سوري (باريس)
