حمل اليوم الأول من زيارة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – إلى طهران نشاطا مكثفا من المحادثات بين البلدين الصديقين، والتي تناولت أوجه التعاون الثنائي القائم بين السلطنة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وذلك في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتجارية والثقافية، وسبل تعزيز التعاون عبر هذه المحاور بما يوطد الوشائج القائمة ويرفدها نحو ديمومة مستقبلية.

وتضمنت المباحثات الجانبية للوفد المرافق لجلالته الكثير من بنود العمل في المجالات المذكورة، بتوسع يضيء أفق التعاون نحو مساحات أرحب، في الاقتصاد والتجارة والاستثمار، والاستثمار المشترك في قطاعي النفط والغاز ، والقطاع الصحي من حيث تبادل الخبرات والكوادر الفنية، إضافة إلى عدد من الأمور.

وقد بدأ واضحا من خلال اليوم الأول من المباحثات أن البلدين الصديقين لديهما الرغبة المشتركة لتطوير التعاون الثنائي بما يخدم مصلحة الشعبين العماني والإيراني، لاسيما في ظل عالم يتجه نحو الرؤى المشتركة وبناء المصالح الاستراتيجية بعيدا عن أسلوب العزلة والتقوقع والرؤى الأحادية، وفي هذا الإطار تبرز رؤية السلطنة وسياستها الحكيمة التي تركز على التعايش الإنساني بناء على المصالح المشتركة واحترام الآخر وانتهاج الحوار كمدخل لبناء عالم جديد يقوم على الألفة والمحبة.

وإذا كانت شروط العالم الجديد قد ألغت الكثير من شروط الدولة الكلاسيكية فقد انتبهت السلطنة مبكرا لهذا الأمر، وقامت النهضة العمانية الحديثة على بناء دولة عصرية وازنت بين تقاليد الإنسان العماني وعاداته وبين شروط العصر في الإخاء الكوني ابتداء من سياسة حسن الجوار إلى التحالفات الاستراتيجية التي تخدم شروط المستقبل لاسيما مع امتدادات العولمة واتجاه العالم نحو أن يكون قرية واحدة تتبادل الأفكار والرؤى والمنافع، بحيث يوجد هذا الحراك دينامكية في التنمية المستدامة والبناء وترقية الإنسان نحو الجديد والمبتكر، دون أن يخصم ذلك من رصيد الموروث والأصيل، بحيث يتعايش التقليد مع التجديد في وفاق تام.

وإلى حد كبير فإن السلطنة وإيران تتناغمان في كيفية المواكبة بين الأصالة والمعاصرة، وهذا من شأنه أن يوفر أرضية صلبة لحوار بناء يمتد لأزمنة طويلة، يضاف لذلك الأرضية التاريخية الراسخة التي نسجت خيوطها عشرات القرون في التاريخ المشترك بين البلدين.

وقد أشارت وسائل الإعلام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى هذا التعايش التاريخي، منذ أن كانت السفن التجارية تمخر مياه الضفتين، ومنذ أن كان تبادل المنتجات وخيرات البلدين طيلة التاريخ ومع مرور الأزمان، وهي الروح نفسها التي ترسمها اليوم شروط العالم الحديث والدولة العصرية التي بزغ فجرها في يوليو 1970 بتولي جلالة السلطان المعظم مقاليد الحكم في البلاد.

ولعل ما يدعم مسيرة التعاون بين البلدين ويحملها نحو المستقبل بثقة، تلك الاهتمامات المشتركة التي نتجت عن البعد التاريخي والجغرافي في الموقع الاستراتيجي الذي تحتله السلطنة وإيران في محيط الكرة الأرضية، وهو موقع ظل محل اهتمام وبؤرة جاذبة في العصورة القديمة والحديثة وشهد ميلاد حضارات وانجازات سجلتها ذاكرة البشرية. وفي الراهن كانت تأكيدات المسؤولين في البلدين دوما على أن العلاقات بين السلطنة وإيران أنموذج يحتذى به يقوم على روح تستنهض التعقل البنّاء في الرؤى.

وعلى المحيط الإقليمي فإن القيادتين في البلدين تنظران إلى استقرار المنطقة، وأن هذا الاستقرار لا يتأتى إلا عبر تبادل وجهات النظر والنظر إلى المصالح المشتركة التي تخدم الإقليم ككل وليس دولة بعينها، وفي هذا الإطار تؤكد السلطنة على التعاطي المتعقل والأسلوب الهادئ في الوصول إلى الأفق المرتجى لسيادة الطمأنينة والأمن والسلام في الإقليم. كذلك تؤكد إيران على مرونة وحكمة في الوقوف مع قضايا الأمة العربية المصيرية ودعم الأمن والاستقرار، عبر الحوار والتآلف وبالنظر إلى العوامل التي تجمع بين الشعوب وتقودها نحو مستقبل أفضل.

وكما تأكد عبر وسائل الإعلام في البلدين وعبر ما تناقلته وسائل الإعلام الخارجية، على المحيط الدولي فإن زيارة جلالته – حفظه الله ورعاه- سيكون لها دور في خدمة كافة شعوب ودول المنطقة وستسهم في بحث مستجدات الأوضاع على الساحتين الدولية والإقليمية وتعزيز الثبات والاستقرار في المنطقة، بما ينعكس على ازدهار وتقدم وترقية البلدين ودول وشعوب المنطقة ككل، خاصة في ظل إيمان السلطنة الراسخ بأن العالم وفي ظل المتغيرات الدولية منذ الربع الأخير من القرن الماضي بات يتجه نحو الوحدة القائمة على إدراك كل بلد لدوره وتعاونه مع الآخر في محيط من السلام يجعل الشعوب تعيش هنيئة وآمنة ليعم الحب والسلام.