«السرقة» هي السطو على أموال أو ممتلكات الغير، وهي حرام شرعاً وممنوعة قانوناً، ولكن مفهوم السرقة يختلف لدى بعض الناس خاصة في عصرنا الذي أصبح المجال واسعاً للتلاعب والنهب المباشر وغير المباشر.
لقد أصبح البعض يقدم على انتهاكات تقع في مجال السرقة وهو لا يعتبرها كذلك فمثلاً الموظف الذي يحصل على راتبه الشهري ولكنه يتغيب باستمرار عن الدوام ويختلق الأعذار ويلجأ إلى التحايل في كثير من الأحيان أليس ما يحصل عليه من مرتب يعتبر سرقة؟ ثم المقاول الذي ترسى عليه مناقصة من الدولة أو من أية جهة أخرى ويتلاعب في تكلفة المشروع أو إنجازه كما يجب أليس ذلك يعتبر سرقة؟
أو الذي يتحايل في مجال عمله ليحصل على مكافآت لا يستحقها أليس ذلك يُعتبر سرقة؟ أليس الذي يؤتمن على مهمة مثل التعليم ولا يقوم بها كما يجب يعتبر دخله سرقة؟
أما الذين يعتقدون بأن السرقة هي السرقة المباشرة للمال أو الممتلكات الشخصية فقط فهؤلاء إما أنهم يخدعون أنفسهم أو جهل بالمعنى والمفهوم لهذا المصطلح. ونسمع بعض التبريرات الغريبة حين ارتكاب جريمة السرقة مثلاً: إن كثيرين يسرقون من المال العام ولا أحد يحاسبهم!
وإن التغيب عن الوظيفة هو لمهمات شخصية أخرى يقوم بها المتغيب وليس الهروب من العمل!، وإن الحصول على أموال نتيجة استغلال تجاري مثل المناقصات المبالغ في قيمتها أو الخلو المالي الذي يدفع للمحلات التجارية أو غيره ليس سرقة!
والأكثر غرابة أنك تلاحظ على بعض أولئك المتلاعبين والحرامية مظهر التدين والالتزام بالفروض الدينية! هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يبحث عن التبرير لفعلته وما أكثر التبريرات، فالطالب الذي يغش في الامتحان قد يقول لك إن ذلك يقع في إطار من له حيلة فليحتال، وينسى أو يتناسى بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «من غشنا فليس منا».
لقد اختلطت كثير من القيم وتغيرت وبخاصة فيما يتعلق بالسرقة فالذي يسرق كرسياً يعاقب عليه والذي يتلاعب ويحصل على ملايين الدنانير قد لا يحاسب! كيف تكون قيمة مشروع مثلاً ثلاثة ملايين وترسي مناقصة على شركة مقاولات بمئات الملايين!! فهل هذه ليست سرقة العصر وأمثالها الكثير ولا أحد يحرك ساكناً.
«السرقة العلمية»: قد يفاجأ الكثيرون بأن هناك سرقة علمية لأن المتعارف عليه بأن السرقة هي للأموال والممتلكات وقد لا يخطر على البال أن السرقة العلمية من بين السرقات التي يمارسها بعض المتعلمين.
فالقصة تبدأ باختلال القيم لدى عدد من الناس الذين يرتكبون مثل هذه الجريمة وتبدأ بالغش بالامتحانات وسرقة أبحاث الآخرين وتتطور إلى التلاعب في إعداد أطروحات الماجستير والدكتوراه، وجرأة البعض وصلت حد سرقة كتب ووضع أسمائهم عليها سواء كانت مترجمة أو مؤلفة وقد يعمد السارق إلى تغيير عنوان الكتاب أو عناوين فصوله، وقد يقوم بالترجمة ويكتب عليه تأليفه الخ تلك من الوسائل غير المشروعة.
ولو تم التحقيق في الكيفية التي يحصل بعض حملة الدكتوراه على هذه الشهادة في بعض الجامعات العربية وغير العربية لذهلنا لهول الكارثة التي تحل بالعلم والتي يرتكبها أولئك النصابون والسراق.
وأساتذة يمنحونها ويكتبون تلك الأطروحات ويفبركونها لبعض من يملكون المال ينفقونه وبعض الهدايا مقابل الحصول على الشهادة لتحقيق أغراض برستيج الشهادة أو ليدخل صفوف حملة الدكتوراه والمصيبة أن أولئك يقومون بالتدريس في الجامعات والمؤسسات العلمية وهم جهلة وأبعد ما يكونون عن العلم والبحث العلمي. ويمكن كشف أولئك ومعرفة حقيقة مستواهم من أدائهم وأبحاثهم بعد الحصول على شهادة الدكتوراه.
إن بعض الأساتذة قد باعوا ضمائرهم مقابل حفنة من الدولارات ليكتبوا ويساعدوا البعض وبخاصة أبناء دول الخليج العربية لأن هؤلاء لديهم الإمكانيات المادية لشراء الشهادة وشراء ذمم أولئك الأساتذة الذين أساءوا لأنفسهم وجامعاتهم، والمسلسل لم يتوقف، ولم تتحرك الجهات الرسمية في دول تلك الجامعات لوقف هذه المهزلة على الرغم من الفضائح التي نسمع عنها كل يوم. ألم نسأل أنفسنا كيف يحصل أولئك على الشهادة بدون تفرغ لعدة سنوات؟ وما هو إنتاجهم العلمي بعد الحصول عليها؟.
المشكلة أن الناس والمحاكم تفهم السرقة المادية والمباشرة، ولكن ما هو أخطر هي السرقات الأخرى فالموظف الذي يأخذ راتباً ولا يعمل لا ينتج أو يتهرب عن المواظبة على العمل يسرق المال العام، ومن يتلاعب في العلم كما ذكرنا عن السرقات العلمية يعتبر سارق وأخطر من غيره، والذي يتحايل على الدولة للحصول علي مناقصة لا يستحقها هو يرتكب جريمة السرقة.
والذي يبالغ في قيمة المشروعات التي يقوم بها للغير هو يسرق، والذي يتلاعب في سوق الأوراق المالية فيتضرر من ذلك صغار المساهمين هو يسرق. والذي يمنح الطلبة تقديرات لا يستحقونها أو يدفع بطلبة ليجعلهم ضمن المتفوقين والمتميزون وهم ليسوا كذلك هو سارق وخائن للأمانة العلمية التي أوكلت له.
علينا أن نعي حقيقة مفهوم السرقة فلم يعد في عصرنا ما عرف سابقاً. لقد وصل البعض إلى مواقع قيادية وأصبحوا في الواجهة الاجتماعية والسياسية وهم في حقيقة الأمر طبل أجوف ليس في رأسهم سوى الجهل والسطحية العلمية والثقافية لكن ماذا نقول في زمن الرويبضة حيث همش المثقفون والمتعلمون الحقيقيون وتقدم المسطحون والجهلة الصفوف في مجتمعاتنا التي تسمى نامية وهي متخلفة حتى النخاع.
إن الذي جعلني أكتب هذه المقالة قصة حدثت قبل سنوات ونشرت في الصحف المحلية تذكرتها ونظرت حولي فتحرك القلم في يدي. القصة هي أن حارساً لمدرسة وجد أخشاباً مهملة إلى جوار المدرسة وبعد خروجه من العمل نقل هذه الأخشاب في سيارته الوانيت فشاهده وكيل المدرسة فقدمت المدرسة شكوى وبعد يومين كانت صورته في الصحف مغطى العينيين ومكتوب أسفل الصورة إلقاء القبض على حارس مدرسة بتهمة السرقة حينها كانت تثار في البلد ضجة كبرى حول سرقة الاستثمارات لكن قصة الحارس المسكين غطت عليها.
كاتب كويتي
