درس حرب القوقاز التي يمر عليها الآن عام كامل سيظل عالقا في ذهن الشعب الجورجي وفي ذهن الغرب وواشنطن، فقد خرجت روسيا من هذه الحرب منتصرة عسكريا وسياسيا، بعد أن أدان الأوروبيون الرئيس ساكاشفيلي على غزوه تسيخنفالي في أوسيتيا الجنوبية وقتله لأكثر من ألف مواطن أوسيتي غالبيتهم من النساء والأطفال، وانعكست إدانة الأوروبيين لساكاشفيلي بوضوح في رفضهم دعوته لحضور الملتقى السياسي للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، على الرغم من دعوتهم لصديقه وحليفه الوحيد الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو.
ويعتقد البعض أن زيارة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن لجورجيا إنما جاءت دعما للرئيس الشاب ميخائيل ساكاشفيلي الذي يواجه مأزقا داخليا وإهمالا خارجيا كبيرا، ولكن الحقيقة على ما يبدو غير ذلك، إذ أنه على الأرجح أن بايدن جاء لجورجيا ليدعم من سيخلف ساكاشفيلي وليس لدعم ساكاشفيلي نفسه، خاصة وأن بايدن حرص على لقاء قادة المعارضة الذين يحاصرون ساكاشفيلي منذ أشهر مضت ويطالبونه بالاستقالة من الحكم، أما عن التصريحات التي أدلى بها بايدن.
والتي انتقد فيها السياسة الروسية تجاه جورجيا فلا تعدو كونها مجرد توازنات سياسية للبيت الأبيض في المنطقة، حيث تأتي هذه التصريحات على عكس تصريحات الرئيس أوباما خلال زيارته الأخيرة لروسيا.
كما تأتي على العكس تماما من تصريحات مسؤولين آخرين في الإدارة الأميركية، حيث صرح مستشار الرئيس أوباما لشؤون الأمن القومي أنتوني بلينكين بأن واشنطن ترفض تماما إمداد جورجيا بالسلاح، وهو الطلب الذي يلح فيه ساكاشفيلي وكرره على نائب الرئيس الأميركي بايدن الذي لم يعير الطلب أي اهتمام، أما بخصوص التدريبات التي يتولاها الأميركيون في الجيش الجورجي فقد أكد بلينكين على أنها قاصرة فقط على إعداد القوات الجورجية التي ستتوجه إلى أفغانستان، أما الترحيب الكبير الذي أبداه ساكاشفيلي لنائب الرئيس الأميركي بايدن فلم يكن إلا محاولة فاشلة لإقناع الشعب الجورجي بأن واشنطن مازالت تؤيد نظام ساكاشفيلي وتدعمه، وهذا غير صحيح.
ساكاشفيلي يواجه حصارا شديدا داخل جورجيا من المعارضة والتجمعات الشعبية التي تطالبه بترك الرئاسة بعد فشله في حل أزمات الاقتصاد الجورجي وبعد محاولته الفاشلة في أغسطس الماضي في الهجوم على أوسيتيا الجنوبية ودخوله في مواجهة عسكرية طائشة مع روسيا أدت لهزيمة مخزية ودخول القوات الروسية الأراضي الجورجية حتى أصبحت على مشارف العاصمة تبليسي.
ولولا أن موسكو تضع اعتبارا كبيرا للشعب الجورجي الشقيق للشعب الروسي لتمادت في هجومها وأوقعت بجورجيا خسائر كبيرة، ولكن كما قال الرئيس الروسي ميدفيف «إن أنظمة الحكم أمثال نظام ساكاشفيلي تأتي وتذهب، ولكن علاقات الشعوب تبقى دائما».
ساكاشفيلي لم يستوعب درس مأساة أغسطس من العام الماضي، ومازال يحلم بالبقاء في السلطة، ولديه اعتقاد خاطئ بأن دخوله في حرب جديدة مع روسيا سوف ينقذه داخليا من طلبات المعارضة ويجعل واشنطن تتمسك به، ولكن على ما يبدو أن الأمر ليس بهذه السذاجة، وخاصة أن الشعب الجورجي نفسه لن يسمح بهذه المغامرة الطائشة لأن هذا الشعب يعلم جيدا أن جورجيا لا يمكن أن تكون في خصومة وعداء مع روسيا التي يعتمد عليها الاقتصاد الجورجي بنسبة تزيد عن ثمانين في المائة.
ويعمل في روسيا أكثر من مليون مواطن جورجي يدخلون لجورجيا نحو مليارين من الدولارات سنويا، كما أن منتجات جورجيا الزراعية المتواضعة لا تجد أسواقا لها سوى في روسيا.
تأتي الذكرى الأولى لحرب القوقاز لتذكر الجميع بمأساة الشعب الأوسيتي، بينما ساكاشفيلي مازال يحلم بحرب أخرى وبدعم خارجي اخر، ولكن هل يجرؤ بالفعل على الدخول في مواجهة أخرى مع روسيا؟
كاتب أوكراني