قبلنا بالهدنة ففرضوا علينا الحرب، قبلنا بالتفاوض بديلا عن الحرب فطلبوا الاعتراف بالكيان الغاصب في فلسطين دون عودة الحقوق، قبلنا بالاعتراف بما اغتصب من أرض فلسطينية عام 48 مقابل الانسحاب مما جرى احتلاله من أراض عربية عام 67 فطلبوا القبول بالأمر الواقع وإبرام السلام، قبلنا بالسلام بشروط عربية شرعية فطلبوا الاستسلام للشروط الإسرائيلية غير الشرعية، وآخرها الاعتراف بـ «الدولة اليهودية»، وبتطبيع العلاقات مع المحتل قبل إنهاء الاحتلال، بل قبل وقف توسيع الاحتلال بالاستيطان!

ويبدو أن سياسة الخطوة ـ خطوة التي مارسها الداهية السياسي اليهودي الأميركي «هنري كيسنجر» مع المصريين والسوريين في عهد الجمهوريين برئاسة «نيكسون» للتوصل إلى «فصل القوات» بين العرب وإسرائيل بعد حرب أكتوبر عام 73، هي نفس السياسة التي سارت بعد ذلك خطوة خطوة في عهد الديمقراطيين برئاسة «كارتر» للتوصل إلى «فصل الالتزامات» بين العرب وفلسطين بعد اتفاقيات «كامب ديفيد» الأولى بعدما سمحنا لأميركا بالانفراد بملف التسوية..

وهي نفس السياسة التي مارسها الديمقراطيون في عهد «كلينتون» للتوصل إلى «فك الارتباط «بين الفلسطينيين والفلسطينيين بعد تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني ومفاوضات «كامب ديفيد» الثانية.

وهي ذاتها السياسة التي مارسها الجمهوريون في عهد بوش لفرض «قواعد الاشتباك» هذه المرة بين المفاوضين والمقاومين الفلسطينيين، وبين المسالمين والممانعين العرب، وبين المعتدلين والمتطرفين المسلمين لتكريس الانقسام فيما بينهم، لتنعم إسرائيل بالسلام بفرض الاستسلام عليهم جميعا!

ومع رحيل «بوش» وصعود «أوباما» وتبشيره بتغيير السياسة الأميركية في اتجاه موقف أميركي جديد أكثر توازنا وأقل انحيازا، وأكثر عدلا وأقل ظلما، وأكثر سلاما وأقل عدوانا تجاه الصراع العربي الصهيوني، برؤيته لحل الدولتين ومطالبته إسرائيل بوقف الاستيطان خاصة في القدس كتمهيد لاستئناف المفاوضات وصولا إلى التسوية السلمية، كان هناك أمل بأن أميركا ستستطيع تصحيح تلك الأخطاء التي ارتكبتها إدارة بوش السابقة.

لكن هذا الأمل واجه العقبات في أكثر من اتجاه إسرائيليا أولا، بحكومة صهيونية يمينية متطرفة ترفض السلام وترفض الدولة المستقلة وترفض وقف الاستيطان، عربيا ثانيا، بانقسام فلسطيني وعربي وإسلامي، بعدما حول المواجهة فيما بينهم أكثر مما بينهم وبين إسرائيل، رغم استمرار ها في التهديد والاستيطان والتهويد، بما يضعف الموقف العربي ولا يساعد من يسعى لمساعدته.

ويقوي الموقف الإسرائيلي ويساعد من يسعى لمساندته، وأميركيا، بلوبيات المصالح والسلاح المؤيدة لسياسة بوش بالقوة العسكرية والمعارضة لسياسة أوباما بالحلول السلمية، وبقوى يمينية مسيحية ويهودية صهيونية المناهضة للعرب والمؤيدة لإسرائيل متغلغلة في مراكز صنع القرار الأميركي ومتخفية في أركان الإدارة الأميركية، تطالب الفلسطينيين والعرب بما تطالبهم به إسرائيل، إن لم يكن هو الأكثر مما هو منطقي أو غير منطقي وشرعي أو غير شرعي..

وآخر المطالب الأميركية للعرب بلا استحياء، بعدما فتحنا مياهنا للغواصات العسكرية النووية الإسرائيلية هي، طبعوا علاقاتكم أولا مع إسرائيل، افتحوا عقولكم للمطالب الإسرائيلية، وافتحوا أسواقكم للبضائع الإسرائيلية، وافتحوا أجواءكم للطائرات المدنية الإسرائيلية!.. لم لا.. سمحنا له، دخل بحماره!