يوماً ما عندما يكتب توثيق شامل للثقافة العالمية ستحتل السينما الوثائقية مكاناً مميزاً كسجل للحقيقة لا يقل أهمية عن السجل الورقي لهذه الثقافة، ومن الانتصارات المهمة التي حققتها السينما الوثائقية ؟
وبخاصة في السنوات القليلة الماضية قدرتها على القيام بـ «توثيق مضاد» لبعض اللحظات الفارقة والقضايا المهمة في التاريخ. فعلى سبيل المثال، حقيقة العلاقات الألمانية السوفييتية قبل وصول النازي للحكم وبعدها، وحقيقة الحقبة الستالينية، أوضح وأدق بكثير من صورتها في المصادر «المكتوبة».
وصعود دور الوثائقيات كمصدر للحقيقة متزامن مع ظاهرة أخرى مهمة هي إعادة بناء صورة الشيوعية بعد عشرين عاما من سقوط حائط برلين، فالجرائم التي أخفيت طويلا تظهر حقائقها للمرة الأولى، وفي مقدمتها، مثلا، جريمة إبادة ما يقرب من عشرين ألف بولندي هم نخبة المجتمع البولندي كجزء من عملية «تجريف» سوفييتية قاسية تمهيدا لاستنبات نخبة جديدة موالية للاتحاد السوفييتي، وهي لم يعترف بها الاتحاد السوفييتي أبدا.
ومع تتابع عمليات إعادة بناء الصورة كشف قبل أيام عن وثيقة لها دلالاتها التي تتجاوز إعادة بناء الحقائق، ولأنها تقع في قلب معركة تتجاوز كثيرا حدود الاتحاد السوفييتي وتجربته. ولهذه المعركة وجهان: الأول حقيقة الموقف الذي اتخذته الشيوعية ؟ والاتحاد السوفييتي ؟ من الدين، وحقيقة الصراع بين الدولة الشمولية عموما والولاءات الدينية لمواطنيها.
الوثيقة تثبت تورط اثنين من حكام الاتحاد السوفييتي هما جوزيف ستالين ونيكيتا خروتشوف في تصفية الكنيسة الكاثوليكية الأوكرانية بشكل مخطط. فقد أعلنت وكالة أنباء «كاثبرس» النمساوية أن رسالة بعثها نيكيتا خروتشوف إلى جوزف ستالين في 17 ديسمبر 1945 عثر عليها أخيرا تثبت أن القادة السوفييت كانوا ضالعين بشكل مباشر في تصفية الكنيسة الكاثوليكية في أوكرانيا.
وقال خروتشوف الذي كان في حينها زعيم الحزب الشيوعي في أوكرانيا في الرسالة كانت ضمن محفوظات الحزب الشيوعي السوفييتي: «عندما كنت في موسكو أطلعتكم على العمل المنجز بهدف القضاء على الكنيسة البابوية ودمج رجال الدين في الكنيسة الأرثوذكسية».
والوثيقة تثبت طروحات عدد من المؤرخين حول مصير الكنيسة الكاثوليكية التي كان أتباعها أساسا في غرب أوكرانيا، وقد تم توقيف أساقفتها 11 إبريل 1945، وحكم عليهم بالأعمال الشاقة بحجة التعاون مع القوات الألمانية خلال فترة الاحتلال. وفي 1946 تم إلحاقهم قسرا بالكنيسة الأرثوذكسية في موسكو بإيعاز من «لجنة إعادة توحيد كنيسة الروم الكاثوليك مع الكنيسة الأرثوذكسية». وبذلك تم قطع الروابط مع روما وتعود إلى 1596.
وفي التاسع من ديسمبر 1946 ارتد 204 كهنة من الروم الكاثوليك عن «الهرطقة اللاتينية». وحافظ 10% من الكهنة على عقيدتهم سرا في حين اختار 10% «المنفى». وفي 1989 أجيز مجددا لكنيسة الروم الأرثوذكس مزاولة نشاطها بعد مفاوضات سرية في فيينا بين الكنيسة الكاثوليكية والاتحاد السوفييتي.
القصة مثيرة من جوانب شتى، فتصفية الكنيسة تمت سرا وعودتها تمت بعد مفاوضات سرية، وإذا كانت الوقائع مثيرة فإن الدلالات أكثر إثارة. ولعل المدخل الأنسب لفهم هذه الدلالات قول وزير خارجية فرنسا السابق برنار كوشنير إنه لم يفهم الهولوكوست النازي إلا بعد وقوع الهولوكوست الرواندي.
فبعض الممارسات التي اقترفتها النظم الشمولية (النازي ؟ السوفييتي ؟ الماوي ؟ الخمير الحمر) لا يمكن فهمها في إطار «عقلاني»، لكونها ممارسات لا عقلانية فيها مس من الجنون بالفعل، ومن الخطأ محاولة عقلنة ما ليس عقلانيا.
لكن الوثيقة أيضا تلقي ضوءا على حقيقة من الحقائق التي طالما كانت موضع إنكار هي أن الشيوعية ؟ كأيديولوجيا ؟ والاتحاد السوفييتي ؟ كتطبيق ؟ اتخذا موقفا معاديا من الأديان السماوية، وفي ظل التأثير الكبير للنخب ذات الماضي اليساري على مواقع ثقافية نافذة في عدد من الدول العربية، يمكننا فهم الموجات المتلاحقة من السجال الديني العلماني التي يحدثها صدور مؤلف بحثي أو إبداعي يتخذ موقفا معاديا من الإسلام، ويعيد صدوره للواجهة مرة أخرى جدل التكفير وحرية التعبير.
وكما أن حقيقة الدور السوفييتي المشار إليه كان موضوع إنكار فضلا عن فرض السرية على ما يثبته من وثائق، فإن هذه المعركة التي خاضها الاتحاد السوفييتي لسبعة عقود ما زالت ذيولها تثير الغبار في العالم العربي، فيما يتسلح أحد طرفيها بالإخفاء والإنكار معا.
وقد أعادتني هذه الوثيقة إلى معجم علمي سوفييتي للمعتقدات الدينية للاطلاع على ما قاله المتخصصون السوفييت أنفسهم عن الموقف من الدين فوجدت الكثير جدا مما يمكن نقله وقررت الاكتفاء بتعريف المعجم «العلمي» لرب العزة سبحانه وتعالى، يقول المعجم في مدخل عنوانه: «الله»: «بالنسبة للعالم القديم، ربط مفهوم الإله بعجز الإنسان عن تفسير ظواهر الطبيعة.
ونبعت هذه الفكرة أيضا من تأليه زعماء القبائل والملوك والقادة العسكريين والسياسيين الأقوياء، فقُدِمت فكرة الإله على أنها فكرة بارعة من ابتكار الكهنة الأوائل لتقوية مكانتهم في المجتمع». (المعجم العلمي للمعتقدات الدينية ؟ ص 249).
وقد زال الاتحاد السوفييتي وانتهت المعركة في مهدها، وما زالت ذيولها تثير الغبار في العالم العربي، وهو في الحقيقة غبار الإخفاء والإنكار!
كاتب مصري
