للصين «لوبي» نافذ داخل الكونغرس الأميركي. وهذا اللوبي يقوده كسنغر.. ذلك العبقري الاستراتيجي الذي عمل كمستشار للأمن القومي ووزير للخارجية في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون خلال سبعينيات القرن الماضي ابتدر مشروع انفتاح الولايات المتحدة على الصين بعد الاعتراف بها (وسحب الاعتراف الدبلوماسي بتايوان تلبية لشروط بكين).

والآن ومن خلال اللوبي الصيني في الكونغرس يتولى كسنغر مهمة الدفاع عن مصالح الشركات الأميركية الكبرى التي تتعامل مع السوق الصينية مع مصالح الشركات الصينية المتعاظمة في السوق الأميركية. أين إذا الحلقة المفقودة بالنسبة للسودان؟ هناك العديد من كبرى الشركات الأميركية التي ترغب في ولوج القطاعات الاستثمارية في السودان..

وخاصة القطاع النفطي. ومن الواضح أن لهذه الشركات خططا للتنسيق الاستثماري مع المؤسسات والشركات الصينية العاملة في السودان حتى لا يقع تضارب يلحق ضررا ربحيا لأي من الجانبين. وثانيا: فإن الجانبين يدركان أن المصلحة الاستثمارية لكل منهما حلول استقرار سياسي شامل داخل السودان. في هذا الصدد يقول «سكوت غرايشن» المبعوث الرئاسي الأميركي إلى السودان: «نريد الأمن والاستقرار. وهم (أي الصينيون) يريدونه من أجل حماية استثماراتهم. ونريد ذلك من أجل الشعب ومستقبل تلك المنطقة والأمن والازدهار في تلك المنطقة».

من هنا كانت دعوة المبعوث الرئاسي إلى إلغاء العقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على السودان حتى ينفتح الباب أمام أصحاب رؤوس أموال أميركيين لدخول السوق الاستثمارية السودانية وفقا لتنسيق وتعاون مع رصفائهم الصينيين.

وكأن غرايشن يتكلم بلسان هنري كسنغر واللوبي الصيني داخل الولايات المتحدة. مثل هذا التحول الكبير يغضب دون شك أطرافا أخرى. وفي مقدمة هذه الأطراف «الحركة الشعبية» الجنوبية التي عجزت عن إدارة الجنوب فضلا عن مناوءة الشمال.. وهناك أيضا قيادات المعارضة في الشمال التي بلغ بها العجز والإحباط المراهنة على قوة خارجية لتقوم بمهمة إسقاط النظام نيابة عنها.

وثمة استخلاص أخير. تداعيات ومضاعفات الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعصف بالبنيات الأساسية للاقتصاد الأميركي آخذة في تحويل الولايات المتحدة من حالة انكماش اقتصادي إلى حالة انكماش سياسي مما يضطر إدارة الرئيس أوباما إلى تقليص التحرك الدولي الأميركي واللجوء بالتالي إلى سياسة قوامها التهدئة وترميم العلاقات مع القوى الدولية - خاصة الصين التي باتت أميركا مدينة لها حاليا بأكثر من تريليون دولار.