بحمد الله تكللت الزيارة التاريخية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم - حفظه الله ورعاه - إلى الجارة الصديقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بالنجاح والتوفيق.

وأذنت لفتح باب جديد في تاريخ العلاقات الممتازة بين البلدين والشعبين الصديقين، وفقا لتعبير معالي وزير الخارجية الإيراني، والذي أضاف انه تم وضع خارطة طريق للعلاقات والمناسبات الجديدة بين البلدين.

وقد حفلت الزيارة بمباحثات مثمرة على مدار يومين بين القيادتين في البلدين ناقشت التعاون الثنائي الراسخ وعمقت منه وعززته بتوقيع العديد من الاتفاقيات والمذكرات التي شملت مجالات مختلفة على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، بما يشكّل دفعة حيوية وروحا جديدة على مختلف المستويات، أعطت التميز في العلاقة وصلابتها المزيد من الدافعية والدفع نحو الأمام بخطى ثابتة وراسخة بإذن الله.

ولعل الطابع الفاعل وتبادل وجهات النظر من منطلقات إيجابية هو السمة التي ميزت المباحثات بين القيادتين والمباحثات الجانبية، وما تكلل عنها من اتفاقيات مختلفة تم التوقيع عليها بين البلدين. وقد كان لرؤية القيادتين إلى أن المهم والأصل هو العمل من أجل الاستقرار والتطور والتنمية، الدور في ترتيب الأولويات والنظر إلى ما يخدم شعبي البلدين الصديقين ويرسم خطى المستقبل المشرق للسلطنة وإيران وكافة شعوب المنطقة، لما يتمتع به البلدان من عمق استراتيجي في الإقليم.

وقد أكدت زيارة صاحب الجلالة السلطان المعظم – أبقاه الله – على ذلك العمق التاريخي والمميز لعلاقة تنظم ما بين البلدين منذ عشرات القرون، وهو التميز الذي يعاد استحضاره اليوم في ظل عالم يتجه نحو التحالفات بكافة أشكالها، بما يضمن الأمن والاستقرار ويصنع سعادة الشعوب.

وما الاتفاقيات الموقع عليها إلا ترجمة للأولويات والرؤى المشتركة والرغبة في بناء تعاون ثنائي متين وروابط قوية، سواء في المجال الأمني كاتفاقية التعاون والتنسيق الأمني بين البلدين، أو في الجانب الاقتصادي أو الاستثماري أو الثقافي وغيرها.

وهذه الاتفاقيات في مجملها تصب في مشروع بناء شراكة طويلة الأمد، تؤمن بماهية الدولة الحديثة ودورها في عالم اليوم الذي بات فيه العزف المنفرد غير مجد، وأصبحت فيه الدول جزءا من منظومات كبيرة تقوم على المصالح المشتركة. كذلك أصبح بناء الاستقرار والأمان لا يمكن أن يتم أو يقرأ بمعزل عن البنى الاقتصادية والثقافية والاجتماعية الخ..

وقد كان إدراك البلدين مميزا لتلك الرؤية الناظمة التي تتألف منها الروابط والشراكات في عالم اليوم، وكان لإرث الصداقة والتعاون والجذور التاريخية - كل هذه العوامل وغيرها - دورا في إيجاد تلك الفاعلية في التباحث والتشاور والتفاكر سواء فيما يتعلق بالاهتمامات ذات الصلة بالعلاقة المباشرة بين البلدين وشعبيهما، أو تلك الاهتمامات ذات البعد الإقليمي أو الدولي.

وما الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلا خطوة لبناء قاعدة صلبة لفرص أخرى في المستقبل، تنفتح هذه الفرص بالمزيد من التعاون والشراكة، فعبر مشروع معين يمكن أن تتولد عشرات المشاريع الأخرى، عبر الزمن والتجريب والتعايش مع الفائدة المتحققة على أرض الواقع.

وكل ذلك من شأنه أن يوطد الأواصر ويدعم مسيرة السلام والمحبة بين الشعبين ويعزز من الروابط الاقتصادية والثقافية كما في مشروع مركز تعليم اللغة الفارسية الذي سوف ينشأ بإشراف وزارة التربية والتعليم، وندرك تماما أن الثقافة هي أحد أوجه التكامل السياسي والاقتصادي، بل هي الجانب الأقوى في بناء منظومات التحالفات والاستقرار في عالمنا المعاصر.

إن بناء فرص المستقبل تبدو ممكنة من خلال تنمية وتعزيز الرؤى المشتركة التي تنعكس كمشروعات على الواقع المعاش للشعوب، ومن شأن ما يتجلى على الواقع أن يقاوم أي نوع من الأزمات التي يمكن أن تمر بها المنطقة في أي لحظة كانت، سواء تعلق الأمر بتحديات أمنية أو اقتصادية أو بيئية أو ثقافية الخ..

وكما أشار معالي يوسف بن علوي بن عبد الله الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية فإن "المنطقة قد تمر بأزمات وعقبات، ولكن هذه العقبات لا توقف التاريخ"، في ظل وضوح الرؤية ووجود الأرضيات الصلبة للتعاون والنظر إلى المستقبل وفق أسلوب الحوار العقلاني والمنطق الذي يحترم رؤية الآخر بذات القدر الذي يحترم به أفكار الذات.

إن نجاح زيارة جلالة السلطان المعظم – أبقاه الله – للجارة الصديقة الجمهورية الإسلامية الإيرانية سوف ينعكس بإذن الله تعالى وبالجهد الإنساني البنّاء، على تدعيم الروابط القائمة بين البلدين، وعلى المنطقة ككل، بما يساند التوجهات الدولية في إحلال السلم والاستقرار في كل بقاع المعمورة، وبما يترجم الإرادة السياسية الحكيمة المنبثقة من قيادتي البلدين على الواقع المعاش، ويخدم مصلحة ومنافع الجارين الصديقين.