حوارات ساخنة تُثار من حين لآخر حول الصحافة ودورها في المجتمع وما تستطيع أن تفعله من تنشئة اجتماعية وتوعية ومساهمة في التغيير والتشييد والتنمية الشاملة ومراقبة السلطات الثلاث وكشف الحقائق والتجاوزات والأمراض الاجتماعية والأخطاء المختلفة التي تشل العمل الهادف والناجح.
بالمقابل قد تكون الصحافة أو الإعلام بصفة عامة عالة على المجتمع تنتهج التلميع والتملق وهذا النوع من الصحافة هو النوع السلبي الذي لا يغيّر الأوضاع ولا يساهم في صناعة الأحداث وعادة ما تنكشف أموره، وكم من صحافي تملق ولمع وزخرف وجاءت الأيام لتكشفه وتكشف الواقع.
في صحافة التلميع والتملق الضمير المهني غائب تماما والرأي العام والقارئ لا يساوي شيئا بالنسبة للقائم بالاتصال والصالح العام والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية لا وجود لها بتاتا.
ويصبح الصحافي في هذه المعادلة يقوم بعملية تزييف وتضليل وتشويه منتظمة، مستمرة وبطريقة عفوية مع مرور الزمن وتنحصر المهمة هنا والرسالة في خدمة حفنة من الانتهازيين والوصوليين في المجتمع همهم الوحيد هو الابتزاز واستغلال النفوذ والمنصب. وهكذا يصبح الصحافي ومؤسسته الإعلامية بعيدين كل البعد عن خدمة المجتمع وكشف الحقيقة والمشاركة في صناعة القرارات والأحداث وتغيير الواقع.
صحافة التلميع تفرز رأيا عاما مزيفا مضللا يؤمن دائما بالسراب والمستحيل والأمجاد. وقد يفاجئ هذا الرأي العام نفسه في ظل هذه الصحافة بالواقع المزدري الذي يعيشه حيث التباين الكبير بين ما ينشر في الصحف وما تبثه وسائل الإعلام والواقع. وهنا إذن يبدأ الطلاق وانهيار المصداقية بين الرأي العام والوسيلة الإعلامية حيث أنه آجلا أم عاجلا يكتشف الرأي العام أن ما يصله من رسائل إعلامية بعيد كل البعد عن الواقع.
هل من رسالة يؤديها الصحافي في المجتمع؟ هل من مبادئ يؤمن بها ويعمل جاهدا على تطبيقها؟ هل من حقيقة يبحث عنها ويتعب من أجلها ويخاطر ليلا نهارا لإيصالها للقارئ الذي يعتبر رأس ماله؟
هل الهدف هو كشف أمراض المجتمع وتناقضاته وتجاوزاته؟ أم الهدف هو التملق والتلميع والتقارير المزخرفة والملونة والتي تهدف باستعمال كل الطرق وكل الوسائل لإرضاء المسئول؟
هذه التساؤلات تظهر تافهة لا محل لها من الإعراب في قاموس الصحافة المسئولة والفاعلة وقاموس السلطة الرابعة، لكن في المجتمعات العربية ما زالت تطرح ويجب علينا أن نطرحها باستمرار وبجدية ولأكثر من سبب.
أولهما أن الكثير من المؤسسات الإعلامية في الوطن العربي ما زالت لم ترق إلى مستوى المؤسسة الإعلامية الاجتماعية المسئولة والمدركة للدور الذي يجب أن تلعبه في المؤسسة، وثاني الأسباب يتمثل في الموضة الجديدة التي ظهرت في بعض الفضائيات العربية والتي اختلقت نوعا جديدا من الإعلام وهو الإعلام الفلكلوري «الفانتازي» إعلام الشعوذة والدجل وفضائيات الرسائل القصيرة و«الغزل على الهواء» وفضائيات الشجار والشتم وغير ذلك من قلة الآداب والأخلاق وخاصة آداب الجلسة والحوار وأخلاقيات مهنة أسمها الصحافة.
قد يتساءل أو يفاجئ القارئ الكريم وطالب الصحافة والاتصال الجماهيري والمهتم بالقضايا والشؤون الإعلامية بمصطلح «الفانتازية الإعلامية» وما المقصود به وماذا يعني وما هي أبعاده وخفاياه؟
أطمئنه منذ البداية وأقول له أن بعض البرامج التلفزيونية في بعض القنوات الفضائية قد استحدثت مؤخرا الإعلام الفانتازي، إعلام إبراز العضلات وإعلام حوارات الطرشان، وإعلام شبه الخبراء والدبلوماسيين والكتاب والباحثين، إعلام الإثارة و«الشوبيز».
قاعدة العمل في هذا الإعلام ليس المحتوى أو المضمون أو التحاليل بل هي الشكليات والشتم والصراخ والاتهامات المتبادلة واستجواب الضيوف لبعضهم البعض، المهم أن يطرح الصحافي الأسئلة ولو بقيت بدون إجابة، العبرة هنا في الأسئلة الجذابة والشائكة والهامة، لكن الإجابات غير مهمة، المهم هو الصراخ والشتم ومقاطعة الآخرين عندما يتكلمون.
ننّوه هنا أننا لسنا ضد حرية الصحافة ولا الاختلاف في الرأي ولا ضد النقد والنقد الذاتي ولا ضد كشف الحقائق، كما أننا لسنا مع اتجاه وضد اتجاه أخر، وإنما بكل بساطة نحن ضد التلاعب بالحقائق وتقديم الباطل بدل الحق، ببساطة نحن ضد المتاجرة بكرامة وسيادة الدول وسمعتها وضد المتاجرة بأرواح الأبرياء والشهداء وأبجدية أخلاقيات الممارسة الإعلامية.
الفانتازية الإعلامية إذن هي تبسيط الأمور وتغليط الرأي العام والتضليل وكل ما يتناقض مع أخلاقيات المهنة الشريفة والعمل النزيه، المهم هنا هو الحماس والصراع وليس التحليل والمنطق واحترام ذكاء المشاهد والرأي الأخر والنقاش السليم والبناء.
أيعقل أن يدعى شخص للمشاركة في برنامج بدون أن يعلم من سيكون معه في الأستوديو؟ الصحافي «الفانتازي» هو الذي يطرح الأسئلة بدون الإجابة عنها لأن مهمته هي الإبهار ولفت الأنظار، والإثارة. الصحافي «الفانتازي» لا يحضّر ولا يجمع المعلومات ولا يوّثق عمله، ما يهمه هو جمع نقيضين لا يلتقيان لا في الطرح ولا في الرؤية ولا في المنهجية ولا في أي شيء وإعطائهم الفرصة للشتم والتلاسن على المباشر.
الإعلام المسئول والفاعل وليس المفعول به هو الإعلام الفعال الذي يخاطر ويغامر ويجازف من أجل الوصول إلى الحقيقة وتقديمها للرأي العام؛ الإعلام الملتزم هو الذي يقف أمام تلك الفئات من أباطرة السياسة والمال الذين يستعملون كل الوسائل والطرق التي تخرج عن الأعراف والقوانين والأخلاق لتحقيق أهدافهم وأطماعهم وأرباحهم ومصالحهم على حساب الفئات العريضة من المجتمع. الإعلام العربي في الألفية الثالثة بحاجة إلى صحافة فاعلة، صحافة تقف إلى جانب الضعيف تنصفه وتحميه من جبروت القوي.
مع الأسف الشديد ورغم مرور عقود من الزمن من استقلال الدول العربية ومن الممارسة الإعلامية فيها ما زلنا في عهد صحافة «الفانتازية» والفلكلور وصحافة التسطيح والتهميش والتبسيط، صحافة تخلق ذوقا هابطا لا يفيد في شيء بل يساهم في ذوبان الشباب والأجيال الصاعدة في الآخر. تمثل الصحافة القوية الفاعلة في العصر الراهن بارومتر الديمقراطية والتقدم والازدهار والسوق الحرة للأفكار والممارسة السياسية الفعالة والمجتمع المدني النشط.
عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة
