يؤكد الواقع الحالي في الكثير من الدول العربية على فشل العديد من خطط التنمية، ففي ظل اتساع مساحة الفقر بين المواطنين، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء يصبح الحديث عن نتائج هذه الخطط مجرد تجميل لواقع متخلف ومأزوم. وما يحدث في الواقع هو تنمية للتخلف وليس للواقع المعيش. الغريب في الأمر أن بعض الدول العربية التي تعاني من شيوع الفقر تؤسس خططها التنموية من أجل إشباع حاجات الأغنياء بها بينما تلبي حاجات الفقراء ومحدودي الدخل من خلال أكاذيب وادعاءات الخطاب السياسي.
تظهر تناقضات الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء من خلال شواهد عديدة أصبحت تمثل قاسماً مشتركاً بين العديد من الدول العربية. تبدو أبرز هذه الشواهد من خلال المدن الجديدة بالغة الثراء التي تعلن عن نفسها كجزر منعزلة وسط محيط واسع من الفقر والاحتياج. كانت المسافة في الماضي بين الأحياء الغنية والأحياء الفقيرة محدودة.
ولم تكن تعلن عن نفسها بمثل هذا التبجح الغريب، بل إنه كان من الممكن للفقراء أن يتحركوا في مناطق الأثرياء ويتجولوا في شوارعها كيفما يحلو لهم، أما الآن فالمسافة واسعة جداً فيما بينهما تكشف عن نفسها من خلال الأسوار العالية والحراسات المدججة التي تكشر في وجه كل من تسول له نفسه الاقتراب منها.
لقد أصبحت المدن الجديدة المغلقة عنواناً للتحدي من جانب الأغنياء ضد الفقراء، ورمزاً واضحاً للسياسات التنموية الخاطئة التي تسلكها العديد من حكومات الدول العربية.
تبدو أزمة الإسكان أبرز الأزمات المستفحلة التي تواجهها العديد من الدول العربية، خصوصاً إذا ما وضعنا في الاعتبار حالة الإنجاب المتواصلة في هذه الدول، والتي تفرض نفسها في إطار العديد من الجوانب الدينية والقيمية والمجتمعية. ولا تضع هذه الدول في مخططاتها الحالية هذا البعد السكاني في اعتبارها وما يرتبط به من خطط إسكانية تفي باحتياجات قطاعات واسعة من المواطنين، وعلى رأسهم الفئات الفقيرة والمتوسطة الدخل.
تؤدي أزمة الإسكان إلى تداعيات كثيرة منها نمو الإسكان العشوائي غير المنظم الذي يفتقد إلى أية معايير صحية وجمالية وإنسانية. وهو ما يؤدي إلى تسارع انتشار المناطق العشوائية الفقيرة التي تشهد ازدحاماً غير متخيل، إضافة للعديد من الأمراض الاجتماعية التي تعج بها هذه المناطق وعلى رأسها انتشار الجريمة بكل أشكالها وأنواعها.
تشتمل هذه المناطق على كل أنواع الوافدين إليها سواء من مناطق عشوائية أخرى أو من الريف أو حتى ممن تدهور بهم الحال في المناطق الثرية، من هنا فهي تشهد تنويعات عديدة تنخرط في النهاية في نمط حياة عشوائي مُعطل لأية قيم إبداعية أو حياة إنسانية. والحديث عن المناطق العشوائية لا يمكن تصوره إلا من خلال العيش بين جنباتها واختبار الحياة اليومية للقاطنين فيها.
حيث ضعف الخدمات من مياه وكهرباء وصرف صحي وتكدس المدارس وتهالك أوضاعها إضافة للخدمات الصحية الرثة. كل هذه الجوانب تخلق تكويناً إنسانياً بقدر ما يحاول التكيف مع أوضاعه العشوائية بقدر ما ينطوي على نظرة عدائية للنظم السياسية الحاكمة خصوصاً في ظل ما يطالعه بشكل يومي ومستفز من اتساع للفجوة الاجتماعية الهائلة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون أي شيء.
الخطر القادم في عالمنا العربي ينبع من اتساع حدة الحقد التي ينطوي عليها ساكنو المناطق العشوائية وما يمكن أن ينتج عن ذلك من ثورات وهبات عديدة. ورغم التحمل المنقطع النظير لهؤلاء الملايين من الفقراء في الكثير من عشوائيات الدول العربية فإنه من الضروري وضعهم على قائمة الخطط التنموية الحقيقية الرامية لإشباع حاجاتهم وحاجات أبنائهم.
من الأهمية بمكان أن يعود للدولة دورها في العالم العربي، وبشكل خاص في المجالات والأنشطة الاجتماعية، وكفانا حديثاً عن الأعمال الخيرية ودور رجال الأعمال، على الرغم من أهميتهما. فالدولة هي المسؤول الأول والرئيس عن رعاياها سواء من الأغنياء أو من الفقراء أو من محدودي الدخل.
وإذا كانت الكثير من الدول العربية قد قدمت تسهيلات وخدمات منقطعة النظير لرجال الأعمال الأثرياء فقد آن الأوان لكي تعيد الدولة حساباتها وأن توجه رعايتها للملايين من الفقراء والمحتاجين، فهؤلاء هم الوقود الحقيقي للتنمية، كما أنهم الوقود الحقيقي لأية هبات أو ثورات قد لا تستطيع هذه الدول مواجهتها أو السيطرة عليها، الأمر الذي لابد وأن ينتهي بحالة فوضى عارمة تجتاح هذه الدول وتكرس وضعية تخلفها.
كاتب مصري
