في سياق مخاطبته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي فجَّر المبعوث الرئاسي الأميركي غرايشن مفاجأة لم تكن لتخطر على بال أعضاء اللجنة. فقد أعلن أن الولايات المتحدة والصين «لديهما نفس الأجندة» في السودان!

إذن فإن العلاقة بين أميركا والصين بشأن السودان ومستقبله ومصيره أصبحت قائمة على تحالف ـ لا تنافس عدائي. هنا نعثر على الإجابة الحقيقية عن السؤال المطروح حول علة التغيير الذي طرأ على علاقة الولايات المتحدة مع السودان. منذ أوائل تسعينات القرن الماضي ظلت الولايات المتحدة طوال عهدي الرئيس بيل كلينتون وخلفه الرئيس جورج بوش تفرض حصارا دوليا محكما وواسع النطاق على «نظام الإنقاذ» الحاكم في السودان. وهو حصار انتظم كافة المجالات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والتجارية. وعلى هذا الأساس دمغ النظام بالإرهاب وفرضت عليه عقوبات.

ولم يكن الهدف النهائي بأقل من إسقاط النظام بطريقة أو بأخرى.لكن مع مرور السنين صمد النظام وترسخت دعائمه. وعوضا عن الاستسلام.. ومن أجل مقاومة الحصار الأميركي ودرء تداعياته السالبة تبنى قادة النظام في مجال ساحة العلاقات الدولية نهجا من الاستقلالية الراديكالية فتوجه صوب الشرق الأقصى وغرب آسيا: وتحديدا الصين بالدرجة الأولى ثم ماليزيا والهند..

وهي مجموعة الدول التي تحدت الولايات المتحدة بدخولها في شراكة اقتصادية مع السودان بتصدرها تمويل مشروع النفط السوداني: تنقيبا وإنتاجا وتكريرا. وبطبيعة الحال فإن هذه الشراكة الاقتصادية أفضت تلقائيا إلى تحالف دبلوماسي على صعيد ساحة الصراع الدولية.

والآن وعندما نستعرض سجل العلاقات الأميركية مع السودان على مدى سنوات الحصار فإننا نكتشف تراجعا واضحا في حدة العداء الأميركي حين قررت الإدارة الأميركية في عام 2000 الدخول في ترتيبات تصالحية مع النظام الحاكم بهدف وقف الحرب الدائرة في جنوب السودان فورا تمهيدا لعملية تفاوضية بين الشمال والجنود برعاية أميركية تفضي إلى تسوية سلمية.

هذا القرار اتخذه الرئيس جورج بوش بناء على توصية قوية من «مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية» في واشنطن. وورد في هذه التوصية أن «إنتاج النفط السوداني المتصاعد قد أدى إلى تحويل ميزان القوة العسكرية لصالح الحكومة». وبالتالي نصح خبراء المركز إدارة بوش باستعجال وقف الحرب «قبل فوات الأوان»- أي قبل أن يتلقى جيش «الحركة الشعبية» الجنوبية هزيمة ساحقة.