بمجرد أن بدأت شعبية أوباما في الانحسار رحت أبحث عما يفعله أنصار إسرائيل في واشنطن!. ذلك لأن انحسار شعبية الرئيس يمثل فرصة ذهبية لكل من لم تعجبه سياساته حين كان في أوج شعبيته.

فهو الوقت الذي يتحول فيه خصومه إلى الهجوم عليه. فشعبية الرئيس الأميركي هي في الواقع الرادع الوحيد الذي يمنع أعضاء الكونجرس بل وجماعات المصالح والإعلام من تحديه فلا أحد يريد أن يبدو كمن يهاجم رئيسا يلتف حوله الناس. لكن بمجرد أن تنحسر شعبية الرئيس يبدأ الهجوم من كل حدب وصوب، الأمر الذي يزيد من انحسار شعبيته... وهكذا.

وبالفعل وجدت ما توقعت!. فمن يتابع ما يجري في واشنطن هذه الأيام يستطيع أن يلمح تحولا نوعيا في أداء أنصار إسرائيل. ففي أقل من شهر انتقل هؤلاء من موقف الكمون والدفاع إلى موقف الهجوم!

انظر مثلا ما يجرى في الكونجرس هذه الأيام، وهو الذي ظل أنصار إسرائيل هم اللاعب الرئيسي فيه منذ التسعينات فيما يختص بإيران. فقد برزت أصوات عدة في الكونجرس تقول علنا أنها ستطالب إدارة أوباما بوضع جدول زمني واضح لمسألة الحوار مع إيران.

لكن مصادر عدة أكدت أن الكونجرس وضع بنفسه بالفعل مثل ذلك الجدول الزمني وراح الآن يطالب الإدارة بالالتزام به. فقد بعث الأعضاء برسائل عدة للبيت الأبيض مؤداها أنهم لن ينتظروا إلى ما «بعد سبتمبر القادم» من أجل تمرير مشروعات القوانين التي تفرض عقوبات على إيران.

والحقيقة أن هناك أكثر من مشروع قانون لفرض العقوبات مطروح اليوم أمام الكونجرس. أولهما هو مشروع يفرض عقوبات على الشركات الدولية التي تبيع النفط المكرر لإيران وثانيهما يفرض عقوبات على الشركات الدولية التي تساعد صناعة النفط الإيرانية.

وفى الوقت نفسه تعد منظمة رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية مؤتمرا في سبتمبر يحشد كل الفعاليات اليهودية في واشنطن للضغط من أجل تمرير المشروعين في الكونجرس والحصول على توقيع الرئيس عليهما.

لكن ما يحدث في الكونجرس هو أحد تجليات الحملة التي يديرها أنصار إسرائيل إذ هناك المزيد!. فقد وقفت قيادات اليمين المسيحي الأصولي بكل قوة لتعلن تأييدها المطلق لإسرائيل وتنتقد مواقف إدارة أوباما.

ففي المؤتمر السنوي لمنظمة «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل» وهى إحدى أهم منظمات الصهيونية المسيحية، قال القس المعروف جون هيجى أن خمسين مليون مسيحيا يؤيدون حق إسرائيل في أن تنمو وتنشئ مستوطنات في أي مكان تريدس ثم دعا إسرائيل علنا «لعدم الرضوخ لضغوط الحكومة الأميركية» بشأن المستوطنات.

وفى المؤتمر نفسه انتقد الكثيرون إدارة أوباما واعتبروها «تستفرد» بإسرائيل. كما خرجت من المؤتمر دعوات لتمرير مشروعات القوانين التي تفرض العقوبات على طهران والتي سبقت الإشارة إليها. بل ذهب وفد من المؤتمر لزيارة الكونجرس ومطالبة الأعضاء «بعدم الضغط على إسرائيل».

وفي أسبوع واحد كانت النيويورك تايمز الأميركية وهآرتس الإسرائيلية تنشران مقالين لكاتبين مختلفين يطالبان أوباما بمخاطبة الشعب الإسرائيلي كما خاطب العرب والمسلمين. لكن مقال النيويورك تايمز الذي كتبه كبير محرري هآرتس نفسها كان يستخدم لغة فجة أخطر فيها الرئيس الأميركي بأن الكتاب اليمينيين في إسرائيل قد صاروا يشيرون له باسم حسين «كناية عن ميوله العربية»! واتهم أوباما بأنه تحدث لكل شعوب الأرض وتجاهل الإسرائيليين.

أما مقال هآرتس، فقد قال كاتبه لأوباما أنه فعل مع الإسرائيليين ما فعل سلفه مع العرب والمسلمين. فبوش الابن «بدلا من أن يتحدث إليهم تحدث عنهم بشكل سلبي، وكانت لغته في شكل أوامر ومطالب، الأمر الذي مثل إهانة لهم. وأنت حين لم تتحدث للشعب الإسرائيلي فاخترت أن تتحدث عنهم فإنك سببت الجرح نفسه للإسرائيليين».

وفى الأسبوع نفسه كانت الواشنطن بوست قد نشرت افتتاحية تنتقد فيها إدارة أوباما وتعتبرها قد أساءت للعلاقات الأميركية الإسرائيلية بسبب ما اعتبرته تعنتا من أوباما بشأن المستوطنات وإصرارا على ما وصفته الصحيفة بموقف يقوم على المطلقات في هذا الشأن.

لكن السؤال المهم بعد كل ذلك، هو ما الذي يريده هؤلاء من أوباما؟ لعل الإجابة عن هذا السؤال تكمن في مقال لجون بودوريتز اليهودي الأميركي وأحد عتاة المحافظين الجدد. فقد كتب الرجل يقول أن مشكلة أوباما مع إسرائيل بدأت منذ البداية حين قال في أكثر من تصريح صحفي أن من أهم شروط الصديق الجيد (لإسرائيل مثل أميركا) أن يكون «صادقا ونزيها». ويقول بودوريتز أن تعبير الصدق لا يستخدم في الدبلوماسية إلا للإشارة لعلاقة «عدائية».

وأضاف أن التعبير دخل قاموس العلاقات الأميركية الإسرائيلية منذ ثلاثين عاما مضت بعد أن قام كارتر بالوساطة بين مصر وإسرائيل. فمنذ ذلك الوقت صار هناك من يطالبون أميركا بأن تلعب دور «الوسيط النزيه» وهو ما يعنى بالضرورة علاقة عدائية لإسرائيل!

وما قاله بودوريتز ذكرني بما نقلته صحيفة هآرتس من شهر تقريبا حين ذكرت أن نتانياهو وصف مساعدي أوباما اليهوديين ديفيد أكسلرود ورام إمانويل بأنهما من «اليهود الكارهين للذات» وهى التهمة الجاهزة التي اخترعها الصهاينة لليهود الذين ينتقدون إسرائيل.

باختصار، المطلوب من أوباما العودة إلى زمن بوش الابن الذي لم تكن هناك في عهده شعرة خلاف بين إسرائيل وأميركا في كل القضايا. ولم يكن من الممكن بالطبع مطالبة رئيس يحظى بشعبية كتلك التي تمتع بها أوباما بشئ من هذا. أما وقد بدأت شعبيته في الانحسار فقد صار من الأسهل بكثير انتقاده والضغط عليه.

والمرجح أن تزداد وتيرة الهجوم كلما ازداد الانحسار في شعبية الرجل. وعندئذ ستتداخل اعتبارات وحسابات سياسية معقدة يضطر معها الرئيس لإعادة النظر في الكثير من مواقفه..

السؤال المهم في كل ذلك هو إلى أي مدى سيرضخ أوباما لتلك الضغوط وهل هناك سقف بعينه اختار الرئيس الأميركي ألا يتنازل عنه؟

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com