القنبلة السياسية الزلزالية التي فجرها الزعيم السياسي اللبناني وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي في ساحة «ائتلاف 14 آذار» بالتلويح بالانسحاب منه، بما يعني إعلان الطلاق بعد زواج مصلحة فرضته الضرورة عام 2005 بين حزبه اليساري وبين الائتلاف اليميني الفائز بالأكثرية البرلمانية في الانتخابات الأخيرة، «لإعادة التموضع» في تشكيلة سياسية جديدة، هزت بنيان هذا الائتلاف بشدة وصدعت أركانه، إلى الحد الذي جعل المراقبين السياسيين يتساءلون عن مصيره بعد انسحاب أحد أبرز قياداته!
كما خلطت قنبلة جنبلاط الكثير من الأوراق إلى إعادة الكثير من الحسابات، فيما يتصل بمستقبل التوازنات الجديدة في الساحة السياسية اللبنانية بين الموالاة والمعارضة وبين الأكثرية والأقلية، بعد خروج 11 نائباً من كتلته البرلمانية ذات الأغلبية، واحتمال تحولها بحيادهم إلى أقلية، أو تحول الأقلية الحالية إلى أغلبية برلمانية بانضمامهم لكتلة المعارضة التي تمثل «ائتلاف 8 آذار»، بما يعني أنها «انقلاب أبيض» من الحزب الأحمر.
لقد بدا الأمر أقرب إلى الانقلاب منه إلى إعادة التموضع السياسي للحزب الاشتراكي بقول جنبلاط لقد كان انضمام حزبه إلى الائتلاف اليميني لقوى الموالاة أمرا فرضته الضرورة التي حكمت لبنان حينها.
لكنه الآن لن يستمر، وبات يتعين علينا العودة لثوابتنا العروبية ومواقعنا اليسارية خصوصا في ظل نتائج الانتخابات بفرزها الطائفي والانعزالي الواجب التغيير، وبانتقاده اللاذع لحلفائه بقوله إن الائتلاف بهذا لم يفز في الانتخابات التي قامت على دعوة طائفية ومذهبية وقبلية لنفي الآخر اللبناني، والعداء للجار العربي، والتحالف مع من نشروا الفوضى واحتلوا فلسطين ودمروا العراق.
ومع نقده الذاتي لتحالفاته ومواقفه السابقة بالعداء مع سوريا وباللقاء مع أميركا، أعلن جنبلاط ندمه على زيارته لأميركا تنسيقه مع المحافظين الجدد واعتبرها «نقطة سوداء» في تاريخه، داعيا لعلاقات متميزة مع سوريا في وصلة غزل جديدة علها تفتح له الطريق لزيارة دمشق، ربما قبل الحريري.
هذه الخطوة الانقلابية الجنبلاطية دفعت إلى العديد من التفسيرات، وأثارت استغراب حلفائه الذين أسكتتهم الصدمة إلا من بيان عائم وغائم، لكنها لم تثر استغراب من تابعوا تقلب سياساته وتحالفاته وتصريحاته على مدى السنوات الخمس الأخيرة ركوبا للموجة الأعلى تجنبا للغرق، وبحثا عن الجانب الأكثر اخضرارا من العشب.
كما يقولون، حفاظا على مصالحه ومصالح حزبه في ظل تقلب موازين القوى الدولية والإقليمية والمحلية، من اليسار إلى اليمين ثم من اليمين إلى اليسار، ومن الدعوة القومية العروبية إلى الوطنية الانعزالية بعيدا عن الأشقاء وقريبا من الأعداء !
لكن ذلك الانقلاب الأبيض بحساب سياسي دقيق في موسم السعي إلى سوريا من أميركا إلى فرنسا إلى السعودية، زاد من أهمية جنبلاط وكتلته السياسية في الساحتين اللبنانية والإقليمية أيضا، فيما بات الموقف أكثر صعوبة وغموضا في المستقبل لرئيس تيار المستقبل.
ولزعيم الموالاة المهددة بالتحول إلى المعارضة، ولشيخ الأكثرية النيابية المهددة بالتحول إلى الأقلية،الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة سعد الحريري فيما يتعلق بآفاق بتشكيل الحكومة الجديدة بعد خروج سدس نواب كتلته، وحياد خمس وزرائه خصما من أغلبيته الوزارية المقترحة، وبات السؤال عن مدي إمكانية نجاحه في التشكيل طبقا للاتفاقات السابق الإعلان عنها بلا ثلثين للموالاة أو ثلث للمعارضة، وبحكومة أكثرية أم أقلية ؟!!