ثمة حالة تراجيدية ترافق الوعي الوطني لدى بعض العرب وتقسّمهم بشكل خطير. فالأمر لم يعد مجرد اختلاف آراء حول كيفية التعاطي مع القضايا السياسية المختلفة التي تعاني منها الأمة العربية، بل بات يمتد إلى أبعاد أكثر جدية، مرتبطة بالنظرة الشاملة لكثير من الأمور المصيرية التي ترسم واقع تلك الأمة.

ويبدو من خلال ما نراه يوما بعد يوم، أن الانقسام الحاصل أصبح يشكل حالة أيديولوجية معينة، قد تبدو غير متأصلة بعد في الممارسة الفكرية والعملانية، لكنها في جميع الأحوال موجودة، وتدعو في الحد الأدنى للتأمل والتفكير.

ولا شك أن محور هذا الانقسام، هو نفسه ما كان يعتبر في السابق مركز التعبئة والحشد في مشروع النضال الشامل الذي تخوضه الشعوب العربية، وتحديدا ما هو مرتبط بالقضية الفلسطينية وما ترافق معها من مشاريع النضال الأخرى على خطوط التماس كلّها.

فهل نحن أمام مرحلة جديدة بات فيها الوعي العربي مستعدا لقبول التوجهات أو الخيارات المختلفة بشكل جذري، حتى لو كان ذلك على حساب الحقوق المشروعة للشعوب المقهورة والتي كنّا نطالب بها دائما، أو حتى إذا كانت تمس بما تبقى من كرامة طالما تغنّى بها العرب؟.

في الواقع أن هذا الأمر بات من الأولويات الفكرية المطروحة بشدة في الوقت الحاضر، نظرا لترافقه مع حالة الصراع التي سبق أن أشرنا إليها. وقد بات يُطرح بإلحاح وجرأة في المنتديات المختلفة وبين المفكرين دون أي حرج أو خوف، انطلاقا من القناعة التي باتت راسخة في نفوس البعض بأن النهج الوطني المقاوم الذي كان سائدا حتى هذه اللحظة، لم يحقق لهذه الأمّة أية نتائج ملموسة. مطلوب إذا البحث عن أساليب أخرى أكثر واقعية، تستطيع تحقيق تلك الأهداف أو على الأقل النسبة المنطقية لما يمكن تحقيقه.

وبالطبع فإن المقصود بتلك الأساليب، وفق ما استنتجته شخصيا من خلال المناقشات الاستطلاعية مع بعض هؤلاء، هو القيام بإعادة هيكلة شاملة لكافة المعتقدات والأفكار الإيديولوجية التي رافقت أداء الأمة العربية منذ بدء الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بغض النظر عن الوجهة التي تنتمي إليها هذه الأفكار، وما إذا كانت يسارية ماركسية أم عربية قومية أم إسلامية متنوعة.

وحسب الرأي السائد في تلك الأوساط، فلقد فشلت جميع التوجهات الفكرية في تحديد وجهة سير سليمة تؤمن عبورا آمنا نحو الأهداف المرجوة، وأبرزها بالطبع مساعدة الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه المتمثّلة (في الحدود الدنيا) بقيام دولة مستقلة على بعض أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة.

الخطورة (أو الجرأة) المتمثلة في هذا الطرح، لا تكمن في الإشارة إلى مكمن الخلل أو إلى الحالة المرضية القائمة التي يدركها الجميع منذ أزمان بعيدة، بل في الحلول التي تسعى تلك الدوائر لتقديمها باعتبارها دواء حديثا سيساهم في إصلاح ما نعاني منه.

وحسب بعض من تسنّت لي فرصة تبادل الآراء معه مؤخرا، فإن أبرز ما يمكن تقديمه في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ الأمة هو: الكف عن تعبئة الشعوب العربية على أساس ما يعرف بالكرامة القومية، وبالتالي حثّها على الانكفاء إلى مشاريع محلية، تحت غطاء كثيف من المشاعر الوطنية التي تجبر كل شعب أن يكون مدافعا عن قضاياه الخاصة بالدرجة الرئيسية، غير آبه بالأمور القومية أو الإقليمية المحيطة به، وتوجيه الفكر القومي العام باتجاه آخر يختلف كلّيا عمّا هو قائم حاليا.

بكل بساطة، فإن المطلوب هو العمل من أجل تغيير طبيعة الحشد الفكري المعتمد بالدرجة الرئيسية على الانتماء الخالص لهذه القضية أو تلك، وتحديدا بالطبع القضية الفلسطينية، وإجراء عملية مراجعة نقدية جذرية لكل المرحلة السابقة، بحيث يكون هناك سعي جاد لإقناع الجماهير بجدوى هذا التوجه الجديد، الذي سيقود في المحصلة النهائية للتطبيع الشامل مع دولة إسرائيل والفكر الإيديولوجي الذي اعتمدت عليه بقوة للدفاع عن استمرارها حتى هذه اللحظة.

وهذا ليس مبالغا فيه أبدا، فبعض المنتمين لتلك الدوائر يفاخرون حتما بقدرتهم على إجراء عملية نقد ومراجعة لكل الأفكار «البالية» التي كانوا يؤمنون بها، ويؤكدون استعدادهم للقبول حتى بمبدأ الاستسلام انطلاقا من الواقع القائم الذي يجسّد، حسب رأيهم، الاستسلام الفعلي لكل الطروحات المقدمة من قبل الطرف الآخر.

وحسب رأيهم، فإنه لو لم تكن الأمّة مستسلمة فعليا، لكانت فلسطين محررة منذ زمن بعيد، ولكان واقع الحال في المنطقة مختلفا كليا عمّا هو عليه حاليا.. فلماذا إذا التملّق والاستمرار في ادّعاء الاستعداد لتقديم التضحيات الجسام؟.

المؤسف في كل هذا الطرح أنه لا يصدر فقط عن أشخاص عاديين أجبرتهم ظروف حياتهم الصعبة على قبول كل ما هو مرّ وصعب، بل بات لسان حال بعض المفكّرين وممثلي الشعب من سياسيين ودبلوماسيين وإعلاميين وما شابه. وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدلّ على بدء عملية انتقال فعلية في طريقة التفكير، قد تحدث اختراقا معيّنا في كيفية ملامسة القضايا المتحكمة في مصير أمّتنا منذ فترة طويلة.

قبل أيام قليلة تسنّت لي فرصة ثمينة للاستماع إلى قصائد الشاعر الراحل محمود درويش، من خلال أمسية رائعة قدّمها الفنان الكبير مارسيل خليفة. وقد استنهض الأخير مشاعر الثورة والكرامة القومية في نفوس معظم الحاضرين، الذين أخذوا ينشدون معه بكل حماسة معبّرين عن إخلاصهم للوطن والشعب والقضية.

في خضم هذا المشهد المعبّر، همس دبلوماسي عربي رفيع في أذني قائلا: «سئمنا هذه المشاعر البالية. عن أية هامة مرفوعة أو كرامة يتحدث؟».

هي وجهة نظر في جميع الأحوال.. قد تكون جريئة أو وقحة، لا فرق.. لكنها موجودة حتما...

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz