اختتمت في واشنطن يوم الثلاثاء 28 يوليو الماضي، القمة الاقتصادية الأميركية ـ الصينية، وهي الأولى من نوعها منذ وصول الرئيس باراك أوباما إلى سدة الرئاسة في البيت الأبيض، والتي تعتبر محددة لمستقبل الاقتصاد العالمي، ولاسيما أن القمة وضعت اقتصاديين متداخلين جدليا وجها لوجه.

ولهذه القمة خلفيتها التاريخية، إذ انطلقت في البدء تحت اسم مبادرة الحوار الاقتصادي الاستراتيجي الصيني ـ الأميركي في سنة 2006، حين جمعت في واشنطن كلا من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش والرئيس الصيني هو جينتاو، بهدف أن تتواصل جهود واشنطن وبيكين للقيام بتفصيل العلاقات الأميركية ـ الصينية. وأكدت تلك المبادرة على عقد قمة كل ستة أشهر، مرة أولى في واشنطن، ومرة ثانية في بيكين.

ولما كان الرئيس الأميركي باراك أوباما بصدد إعادة قولبة الدبلوماسية الأميركية، وهذه المرة مع الصين، فقد أضاف لها بعداً جديداً، إذ لم تعد المبادرة محصورة في الحوار الاقتصادي الاستراتيجي الأميركي ـ الصيني فحسب، بل تخطت ذلك إلى المجال السياسي، بعد أن انخرطت وزارة الخارجية الأميركية ونظيرتها الصينية في تفعيل المبادرة.

إذا كان الرئيس السابق جورج بوش يعتبر العلاقات الصينية ـ الأميركية «معقدة»، وهي لا تزال كذلك في ظل إدارة أوباما من جراء الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي قذفت بالصين إلى مرتبة الفاعل الجوهري، فإن الرئيس أوباما قال في خطابه الافتتاحي 27 يوليو الماضي لهذه القمة، التي كانت مخصصة لإقناع الصين بأن تعاونها هو الجواب الحقيقي للتحديات المشتركة، بأن علاقة الولايات المتحدة الأميركية مع الصين سترسم ملامح تاريخ القرن الواحد والعشرين، مضيفا: إن لدى الطرفين «مصالح مشتركة» وأن عليهما العمل سويا لمكافحة التغيير المناخي والأزمة الاقتصادية.

وكعادته في الخطب السياسية السابقة التي ألقاها في أكثر من عاصمة، فقد استهدف أوباما في خطابه الأخير تجاوز القوميات. ففي مجال حقوق الإنسان، قدم المقاربة عينها في موسكو والعالم العربي، والتي تقوم على عدم النقد، وإنما على التفسير للممارسات الأميركية: «الدفاع عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية هو موقف متأصل في أميركا. وحقوق الإنسان ليست أشياء نبحث في فرضها بل هي تشكل هويتنا». والولايات المتحدة لم تنجح في الحفاظ على وحدتها إلا من خلال: «توسيع مجال الحقوق الأساسية لكل المواطنين: حرية التعبير، والديانة، واختيار حكامها».

في بيكين، المقاربة لقمة واشنطن مختلفة تماما، إذ اعتبر الخبراء الصينيون أن القمة هي فرصة لكي تشترط الصين على الأميركيين الضمانات الأمنية للسندات التي اشترتها من الولايات المتحدة، والتي بلغت قيمتها 800 مليار دولار (561 مليار يورو). ولما كانت الصين تملك أكبر احتياط نقدي من الدولار، وأميركا تعاني من الأزمة المالية، فإن بيكين تبدو في موقع القوة لكي تبلور مطالبها، بالنظر إلى وضعها كدائن رئيس للولايات المتحدة.

فالنجاحات الاقتصادية التي حققها الاقتصاد الصيني الذي يعتبر الاقتصاد الأكثر نمواً في العالم، تثير الخوف في الاقتصادات الغربية المتطورة، ولاسيما للاقتصاد الأميركي الأوفر ثراء في العالم، لكنه يعاني من الإسقاطات المدمرة للأزمة المالية العالمية، فقد ازداد الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنحو 7 في المئة في الربع الثاني من سنة 2009، بالقياس إلى الفترة عينها من سنة 2008.

في حدود التبعية الاقتصادية المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين، تعاني الولايات المتحدة من عجز كبير في علاقاتها التجارية مع الصين، إذ يبلغ هذا العجز 266 مليار دولار، وهو الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة تطالب دائما الصين بتصحيح هذا العجز، من خلال قيامها بتحرير سعر صرف عملتها الوطنية اليوان، بما يؤدي لتقليل الصادرات الصينية إلى أميركا وزيادة الواردات الأميركية للصين. وفي المقابل كانت الصين تطالب أميركا بالحفاظ على سعر صرف الدولار وتعزيزه.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org