تراوحت الكتابات السابقة حول انتفاضة يونيو في إيران، بين رؤيتين متناقضتين، الأولى ترى أن نفس الانتفاضة الاحتجاجي سينتهي بسرعة مع تعليل الأسباب، فيما ذهبت الرؤية الثانية إلى أن الانتفاضة ستعود للخروج من رأس التنين الإيراني، بعد التقاط أنفاسها وإعادة حساباتها وتقديراتها الاحتجاجية، ومساحة الانتفاضة في الحراك المستمر بعد استئناف حيويتها وتنظيم ذاتها. ما قامت وتقوم به الآن ـ وإن كانت بزخم أقل من أيام الانتخابات ـ فإنها في النهاية تستعد لالتقاط الأنفاس مجددا وبشكل أكثر حذرا، باعتبار أن ما قامت به الجمهورية الإسلامية بعد المواجهات، لم يتصف بالمرونة والحكمة اللازمة لدولة أرادت أن تقول للعالم بأنها ديمقراطية وتؤمن بالحريات! ولكنها في نهاية الموقف والواقع أظهرت أنها دولة بوليسية أو كما تتهمها المعارضة الإيرانية في خطابها الموجه لسلطات المرجع الأعلى ورجال الدين في (قُم)، عن أن سلطات البوليس أحالت البلاد إلى مكان للطوارئ وليس للتعبير عن الحريات.
ما زاد الطين بلة هو ذلك الحجم الكبير من المعتقلين، والذي تحاول السلطات الرسمية في طهران إخفاء حقيقته، غير أن لأهالي المعتقلين صوتا حقيقيا تتعدى قوته السياج المحلي، في عالم بات مفتوح الأركان وحقيقته لا يمكن المماطلة فيها. ما قامت به السلطات الرسمية من تكنيس قاس للطلاب والمحتجين من شرائح اجتماعية أخرى، تجاوز حدود الإشاعات والخطابات الإعلامية، مهما كان الطرفان يسعيان للبرباغندا السياسية، إذ هناك اليوم أطراف دولية متخصصة في مجالات حقوق الإنسان والإعلام ومراكز الدراسات والبحوث، لديها مراصدها وقياساتها واتصالاتها ببلد بحجم الجمهورية الإسلامية، التي وقعت ما بين حيرة الكماشتين، كماشة الانفتاح على العالم ما قبل الانتخابات بشهور، وما بعد الانتخابات ونتائجها المفاجئة في تلك الانتفاضة المربكة، بحيث وجد النظام نفسه يواجه شارعا منفلتا، شارعا غاضبا لنتائج الانتخابات ويطالب بإعادة فرزها بشكل أكثر شفافية.
تلك المتاريس الغاضبة من الطرفين، حولت طهران كنموذج لمدينة متنافرة من الصعب إخفاء ملامحها على أنظار المارة في بلد لم تنقطع اتصالاته بالعالم. فهل في الإمكان إخفاء بكاء الأمهات وقلق العائلات على مصير عشرات اختفوا خلف القضبان ويجهل الجميع مصيرهم؟!.
لم تكن تلك مجرد إشاعة وترويج كلام، وإلا لم يكن رجل بحجم الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني كرجل من قمة الهرم الإيراني، بل ورئيس مجلس تشخيص النظام، وكان أقرب الناس من أهله معتقلين أيضا، قد قال بعظمة لسانه وفي خطاب مفتوح، إن على السلطات أن تطلق سراح المعتقلين لكي يتمكن الإيرانيون من بداية حياة جديدة وحوار مفتوح لمعالجة الأزمة، وهي الدعوة التي عاد المرجع الأعلى خامنئي نفسه يرددها حين دعا لوحدة جميع أطراف الأزمة في إيران، مؤكدا قوله حسب وكالة الأنباء الإيرانية: إن قضايا الأيام الأخيرة لا يجب أن تكون سببا للخلافات والانشقاقات.
هذه المرونة الجديدة في خطاب المرجع الأعلى، تدلل على أن حدة الخلافات بين القادة الدينيين في قم وطهران، بلغت مداها بمثل ما بلغ أيضا الانشقاق في الرؤية والخلاف بين قادة الفكر والسياسة في المؤسسة البرلمانية والأكاديميات الإيرانية وفي قمة الهرم الرسمي للدولة.
فقد تسبب مسألة إزاحة اسفنديار رحيم مشائي من منصبه في إحراج كبير للرئيس نجاد، بعد أن ارتفع صوت احتجاج الشارع الإيراني بل ومن داخل التيار المحافظ، مما دفع بالمرجع الأعلى لمناشدة نجاد بإزاحته، حتى وإن برر ملفه السياسي بحجج النزاهة والتاريخ، فما كتبته جريدة كيهان يترجم اختلافا عميقا في القمة، بل وما كتبته من الحدة والقسوة يفوق ذلك، إذ تجاوزت سقف الشخص السياسي والأمني متهمة إياه بنوع من الارتباط بالأجنبي. وقالت كيهان، إنه من العناصر الخطرة جدا، لافتة إلى وجود اتصالات سرية بين جهات تدير مشائي وبين الولايات المتحدة، وأنه يقوم بدور إلى جانب أحمدي نجاد. مثل تلك الكتابات السياسية في جريدة محسوبة على النظام، تعكس حقيقة حدة الخلاف القائم ما بين شخصيات عدة في قمة الهرم السياسي، له تداعياته في المستقبل القريب.
وكلما تعالت حدة الأصوات المتنافرة في الشارع السياسي الإيراني، نخبا وعامة، رسميين ومستقلين، كلما نجدها مشدودة للذهاب بعيدا لاتهام الخارج وطرد الحقيقة الداخلية لصراعات فعلية تطال حتى النظام السياسي الرسمي، الذي لم ينجح في امتصاص الغضب السياسي الذي انفجر بشكل مفتوح، حين جاءت انتفاضة يونيو لتنقل المشاهد والصراع من حالة صناديق الاقتراع بين خاسر وناجح، إلى واقع سياسي أعمق مما رآه بعض المشاهدين فجأة، حيث كشفت الأحداث عن وجود قفازات الدولة الأمنية، إذ كان اعتقال الإيرانيات الحاملات لجوازات سفر غربية واتهامهن بالتجسس والارتباط بالخارج، وذرائع أخرى لم تبرهن مصداقيتها أبدا.
في استئنافها الجديد للتحرك ـ انتفاضة يونيو ـ نلمح خيوط تكتيك على مستويات كثيرة، وإن كنا لا نرى بيانا سياسيا واضحا لملامح جبهة سياسية موحدة وبأهداف بعيدة، غير أن المعارضة خاطبت المرشد الأعلى باتخاذ قرار لإنهاء (دولة الأمن) التي فرضت في أعقاب الانتخابات الرئاسية، فيما دعوا رجال الدين في قم إلى وضع حد للقمع الذي تمارسه السلطات، والمساهمة في إطلاق سراح المعتقلين.
هاتان الخطوتان تدفعان الشارع نحو خطوات لاحقة، وتضعان المؤسسة الدينية أمام الناس في امتحان واضح ومكشوف، وأي تلكؤ قد يدفع بتنين الانتفاضة نحو مواقع حرب المتاريس القادمة، والتي تبقى أسرارها في جعبة من يتوقون إلى نقل الانتفاضة في اتجاه أرقى من الصراع المدني الحالي، كونه ما زال في بداية الطريق.
كاتب بحريني