ما يبدو الآن كمشهد سياسي لبناني جديد انتقل من الاختلاف إلى الائتلاف بما يعكس واقعا سياسيا وطنيا وإقليميا ودوليا جديدا، هو المشهد الطبيعي الجديد القديم في لبنان، فالتنوع والاختلاف السياسي داخل لبنان يفرض الائتلاف الوطني بديلا للصراع، عبر الحوار الوطني بديلا للمواجهة.. وتاريخ لبنان الوطني وجغرافيته السياسية في قلب الصراع العربي الإسرائيلي وانعكاساته عليه، يجعل من المستحيل على لبنان الرحيل من الخارطة الجغرافية لعالمه العربي أو الهروب من الرابطة التاريخية مع شقيقه السوري.

وامتدادات قواه وطوائفه ومذاهبه الروحية والثقافية والسياسية إلى خارج لبنان، تفتح ساحته الداخلية لمنافسات ومناكفات القوى الإقليمية والدولية المتنافسة عليه والمتناكفة فيه.. وتجعله رغما عنه ساحة للصراعات الدولية والمنافسات الإقليمية، بما يجعلها أطرافا في صنع أزماته وأيضا في حل مشكلاته، بما يجعل أزمات لبنان جلها إما أن تنبع من خارج لبنان لتنفجر على ساحته الوطنية، أو تنبع من داخل لبنان لتنعكس علي الساحة الإقليمية أو الدولية.

هذا ما شهدناه في كل ما مر بلبنان من أزمات ومواجهات وصراعات سياسية ساخنة أو باردة، ولا حل لها إلا بائتلاف وطني، متوترة أو متفجرة، ولا نهاية لها إلا بتوافق إقليمي ودولي، وهو نفسه ما شهدناه في مسارات الأزمة السياسية العاصفة التي امتدت أربع سنوات، والتي صنعها من دبروا جريمة اغتيال الشهيد الحريري الذين لا يريدون للبنان أمنا ولا استقرارا، ومن يحاولون تفكيك صيغته الوطنية وتحويله إلى كانتونات طائفية ومذهبية، وانتزاعه من انتمائه العربي أو من محيطه الإقليمي، تحقيقا للأهداف الصهيونية بمباركة غربية أميركية وأوروبية.

ومع أن الطائفية ظلت تحكم ديمقراطية لبنان، والمذهبية بقيت تتحكم في انتخاباته، والتجاذبات الإقليمية لا تزال تؤثر في سياساته، والتدخلات الدولية تتحرك ضاغطة على ساحاته، فلقد بقي المشهد السياسي اللبناني بتركيبته المتنوعة وبصيغته الفريدة، كما هو لم يتغير فيه شيء كثير. وسواء قبل الانتخابات اللبنانية أو بعدها، وأيا كان الفائز بالأغلبية فيها، ظل لبنان كما كان دائما محكوما بالتوافق، بصيغته الديمقراطية الوفاقية التي لا تمكن طائفة أو فريقا سياسيا أو مذهبيا، من الانفراد بحكم لبنان دون الأطراف الوطنية الأخرى!.

فلا فارق كبيرا بين رابح أو خاسر في الانتخابات، الرابح هو الديمقراطية اللبنانية، والأكثر ربحا هو لبنان، كما قالت الموالاة على لسان الشيخ سعد الحريري.. والتأكيد على ضرورة التعاون بين قوى الحكم وقوى المعارضة لبناء لبنان الموحد القوي العادل، كما قالت المعارضة على لسان الشيخ حسن نصر الله.. بينما قالوا ونقول إن لبنان لا يحكم بالأكثرية أو بالأقلية، ولكن بالديمقراطية التوافقية. ومثلما عبرت الانتخابات اللبنانية حواجز القلق في ظل التنافس المحموم، عبرت مرحلة التكليف الوزاري إلى مرحلة التأليف الوزاري، ليترقب الجميع على المستوي الوطني والإقليمي والدولي مسارات ما بعد تشكيل الحكومة، ولمن سيدير لبنان وجهه عمليا، للعالم العربي أم للعالم الغربي؟..

بعد الانتخابات اللبنانية دارت التساؤلات حول من سيرأس الحكومة المقبلة، وبعد التكليف دارت التساؤلات حول التشكيل، وبعد الاتفاق بدأت المشاورات حول الحقائب والأسماء، وبقي الانتظار إلى ما بعد التشكيل للاستماع إلى بيانها الوزاري، لبيان موقف الحكومة من قضايا لبنان قضايا العرب، ومن شرعية المقاومة، والاستراتيجية الدفاعية بتحالف الشعب والجيش والمقاومة، وأيضا من تهديدات إسرائيل وتدخلات أميركا لمحاولة نزع سلاح المقاومة، نزعا لأمن لبنان وتحقيقا لأمن إسرائيل!.

mamdoh77t@hotmail.com